"آلية تطوير البرامج التعليمية ودور البحث العلمي"

قدمت في إطار ورشة العمل الرابعة

للجنة إعادة تنظيم التعليم العالي الخاص

 

د0محمود القرق (جامعة بيروت العربية)

23 شباط 2004

قصر الأونيسكو، بيروت

 

 

 

خلال السنوات الأخيرة هناك اهتمام متزايد وبشكل ملحوظ في التعليم العالي وخاصة لجهة القوانين المتعلقة بهذا التعليم0 إن العديد من الدول تشعر بأن مستقبلها الإقتصادي والثقافي يتعلق بجودة المستوى في التعليم العالي والذي هو متاح للقسم الأكبر من شرائح المجتمع وليس فقط للنخبة من هذا المجتمع0 إن التعليم العالي ليس هو فقط لارتقاء الفرد في مجتمعه بل هو وسيلة للتطور والتقدم والنمو في كل مجتمع وفي جميع حقوله0

بعد أن كان الدور التقليدي لمؤسسات التعليم العالي هو خلق ونقل الثروة الفكرية فإن هذا الدور قد تطور ليدعم بالإضافة إلى ذلك عمليات النمو والتطور في محيطه0 كما أن دور البحث العلمي التقليدي قد تطور أيضا باتجاه الأخذ بعين الإعتبار مدى تأثيره الاجتماعي والاقتصادي وتطبيقاته الصناعية0

إن عولمة مستوى التعليم وضمان جودته قد أصبح هاجسا لمؤسسات هذا التعليم بالاضافة الى أنه عنصرا من عناصر المنافسة بين هذه المؤسسات 0 إن الحكم على برامج التعليم يمكن أن يخضع لاحدى الوسائل المتبعة اليوم عالميا وهي :

أ‌-     الإعتماد (accreditation) وهو عبارة عن إخضاع مقرر ، برنامج أو مؤسسة لمعايير محدودة والإعلان عن مدى مطابقتها لهذه المعايير أو عدمها وتقوم بها مؤسسات متخصصة0

ب- التدقيق (Audit) وهو عبارة عن تقييم لمدى قوة أو ضعف وسائل تطبيق الجودة لنشاطات،  لخدمات ، لبرنامج أو للمؤسسة ، وتقوم بها المؤسسة لمصلحتها الذاتية من أجل نموها وتقدمها0

ج‌-   التقييم (Evaluation) وهو يهدف بالدرجة الأولى إلى تطوير برنامج أو مؤسسة حيث يجري تقييم جميع الأعمال الادارية لجهة ، استراتيجيات الإدارة ، اتخاذ القرار ، العمليات المالية والادارية ، الخدمات والتقديمات بالاضافة إلى برامج التعليم والخطط البحثية0

إن الهدف من تطوير برنامج تعليمي هو الارتقاء به لكي يتطابق مع معايير الجودة المطبقة عالميا في كل مجال من مجالات الاختصاصات المختلفة ، ولكن لكل برنامج تعليمي معاييره الخاصة للجودة ، فمعايير الجودة لبرنامج تعليمي في كليات الهندسة مختلف عن معايير الجودة لبرامج في كلية العلوم أو كليات العلوم الانسانية0 إن التطوير بالمفهوم العام هو الانتقال من حالة ذات مستوى متدني إلى الحالة الأفضل والامثل ولكن في لبنان ينقصنا الاحصاءات الدقيقة حول مستوى التعليم العالي باستثناء بعض المعلومات المتفرقة التي قام بتوثيقها المدير العام للتعليم العالي،  علما أن هذا المستوى يختلف من مؤسسة تعليم عال إلى أخرى ، فهناك مؤسسات عريقة مارست التعليم خلال عشرات السنوات أعطت للبنان سمعته العالية في مجال التعليم العالي وهناك أيضا بعض مؤسسات التعليم العالي الحديثة التي تمارس ما يسمى تجارة التعليم العالي (في طوابق في أبنية سكنية  فوق كاراجات السيارات وبائعي الحلويات) ولا يهمها سوى الربح المادي بغض النظر عن المستوى التعليمي0 وبما أن موضوع الندوة هو تطوير البرامج التعليمية لذلك فإنني سوف أتكلم عن تطوير البرامج التعليمية بشكل عام آخذا بالاعتبار القواسم المشتركة بين مختلف آليات التطوير لمختلف البرامج التعليمية0

يمكن تعريف البرنامج التعليمي وفقا لمشروع قانون التعليم العالي الخاص على الشكل التالي :

خطة تعلم وتعليم من مستوى تعليمي معين تؤدي إلى شهادة في اختصاص محدد وتشتمل بشكل خاص على أهداف البرنامج ، منهاجه ، شروط القبول فيه ، مدته الزمنية ، الشهادة التي يؤدي اليها ومستواها ونوعها (اكاديمية ، مهنية ، مهنية عالية000)

1-  أهداف البرنامج : إن كل برنامج من برامج مرحلة الدراسة الجامعية الأولى أو برامج الدراسات العليا يجب أن تحدد أهدافه ، منها : توجيه العملية التعليمية والمشاريع البحثية نحو تنمية الانسان وتقدم المجتمع ، أن يؤمن البرنامج تعليما عالي الجودة في مرحلتي الاجازة والدراسات العليا حيث ان الخريج يصبح مطلوبا وبشدة في سوق العمل سواء أكان في الصناعة ، في المهن الحرة ، في الوظائف العامة ، في قطاع التعليم ومعامل ومختبرات البحث0 أن يخضع هذا البرنامج للتقييم والمراجعة الدورية وفقا للتطورات العلمية والحاجات الاجتماعية ، أن يستقطب أفراد هيئة تعليمية من مستوى عال على صعيد البحث والتعليم وطلابا يستطيعون الاستفادة من هذا البرنامج وأن يهدف الى نشر وتطبيق نتائج الأبحاث العلمية وتنمية أشكال ومستويات أخرى من التعليم0

2-  خطة التعليم :

إن خطة التعليم يجب ان تركز على :

·        التكامل في شخصية الطالب من خلال أسلوب التدريس الذي يركز على تنمية القدرات التحليلية والابداعية عند الطالب0

·        توظيف طرائق تقييم واختبار متنوعة واستخدام نتائج هذا التقييم من اجل التطوير المستمر للبرنامج0

·        القيام بإجراءات لتقييم الفعالية التعليمية ، كتقييم طرق التدريس المتبعة ، مدى كفاية المرافق والتجهيزات ، دراسة نتائج اختبارات قياسية ، تحليل أوراق الطلبة بما يعكس مستوى تحصيلهم العلمي ، متابعة نتائج اختبارات قبول الطلاب المتقدمين لكليات الدراسات العليا ، متابعة معدلات التعيين في الوظائف للخريجين ، متابعة نتائج التقييم الذي تجريه جهات تشغيل الخريجين ، متابعة خريجي المؤسسة لجهة أدائهم لدى المؤسسات التي انتقلوا اليها0 ان دراسة النتائج المتراكمة لهذه العمليات التقييمية والمتابعة تظهر المدى الذي وصلت اليه البرامج الاكاديمية والخدمية في تحقيق غاياتها وأهدافها0

·        تطوير القدرات البحثية وبناء الهوية الشخصية والابداع المهني والوعي الأخلاقي ، كما تعمل المؤسسة على إعداد الطالب للعمل في مجتمع منفتح على عالم متباين متعدد الأشكال ، معقد وشامل وذلك بإكسابهم كما وافرا من المعارف والمهارات التقنية ، بالاضافة الى قابلية التعلم المستمر وفقا للمتغيرات المعاصرة0

·        تأمين كما أساسيا من مساقات الثقافة العامة وتشتمل ، وفقا لكل اختصاص ، على العلوم الانسانية ، العلوم الاجتماعية ، الفنون الجميلة ، العلوم الطبيعية ، بالاضافة إلى اكتسابهم قدرا مناسبا من المهارات العملية في اللغة الانكليزية واستخدام الحاسوب0

·        ان الأنشطة والمواد المتعلقة باستقطاب الطلاب لبرنامج معين يجب أن تعطي صورة صادقة عن المؤسسة بما لايدع مجالا للشك في استقلالية المؤسسة ووضعية ترخيصها وتصديق شهاداتها من وزارة التربية والتعليم العالي0 كما يجب على المؤسسة ان لاتتساهل باجراءات وشروط القبول في برامجها من أجل الحفاظ على العدد المستهدف من الطلاب الملتحقين0

·        قبل ان تضع المؤسسة أي برنامج تعليمي يجب أن تقوم بدراسة جدوى شاملة عن مدى الحاجة للبرنامج وتتأكد من تكامل هذا البرنامج مع رسالة المؤسسة وتناسبه مع المناهج المتبعة عالميا في نفس الاختصاص ، بالاضافة الى التوازن بين المواد النظرية ، العملية والتطبيقية للبرامج ذات الطبيعة التطبيقية0

·        تقييم فاعلية التدريس في كل مساق من خلال استطلاع رأي الطلاب وغير ذلك من الوسائل الممكنة0

·        ان أهم المقومات الرئيسية للجودة التعليمية في مؤسسات التعليم العالي هو اختيار وتنمية والاحتفاظ بهيئة تدريس كفوءة على صعيدي التدريس والبحث العلمي منتخبة من خلفيات ثقافية وتعليمية متنوعة0

·        ان تأمين الخدمات المساندة للعملية التعليمية يساعد على تحقيق أهداف البرنامج التعليمي من هذه الخدمات، المكتبة ومصادر التعليم المتعلقة بها ، موارد تقنيات التعليم والخدمات الفنية المسندة لها0 الإرشاد الأكاديمي وخدمات سجلات الطلاب0 يجب على المكتبة أن تؤمن : مصادر المعلومات ، الكتب والوثائق التي تدعم كل برنامج أو درجة علمية تمنحها المؤسسة سواء أكانت تقليدية او الكترونية ، تأمين الوقت الملائم لتمكين المستخدمين من أعضاء هيئة التدريس والطلاب والاستفادة من خدماتها ، إمكانية الوصول الكترونيا لتحديد المواد المتوفرة ضمن مقتضيات المكتبة ، تأمين الدوريات العلمية وقواعد البيانات لخدمة برامج الدراسات العليا0

تعتبر موارد وأنظمة تقنيات المعلومات من المكونات الأساسية لبرامج التعليم العالي حيث انه يستطيع أفراد الهيئة التعليمية ، الموظفون والطلاب استخدام الاتصالات الالكترونية والدخول الى مصادر المعلومات الوطنية والعالمية0

3-  المنهاج :

إن الخصائص المميزة لأي منهج متعلقة بمستواه التعليمي وبتوجهاته سواء أكانت أكاديمية أو مهنية ، فمحتوى المنهج يجب ان يتطابق مع الغاية من وضعه وتحقيق الهدف من تعليمه سواء أكان تطابقيا مع مقررات أخرى أو مقرر اختصاص بالاضافة إلى تطابقه مع معايير الجودة0 إن محتوى أي منهج جديد يجب أن ينطلق من تطور في المعلومات في مجال علمي محدد ، حاجة اجتماعية اقتصادية لمعلومات تطبيقية جديدة ، توافر معلومات لحقل جديد من المعرفة ، التوسع المستمر للمعرفة في حقول تقنيات الاتصالات والمعلومات 0 فمن أجل تحقيق الاهداف المعلنة للبرامج فان محتويات المنهاج وطرق وسياسات التدريس للمادة التعليمية يجب ان تتفق مع اهداف المساقات الدراسية التي يحتويها البرنامج وتؤمن التفاعل بين الطلاب وعضو هئية التدريس ، كما يجب ان تساعد على فهم أعمق للمادة وتنمي في نفس الوقت المهارات التحليلية للمشاكل العلمية عند الطالب0 ان تنمية المهارات الشخصية والمهنية عند الطالب يمكن أن تتم من خلال الكتابة والمناقشة في حلقات دراسية (Seminars) لجزء من المنهج يقوم الطلاب بتحضيرها بأنفسهم وباشراف من أساتذتهم0

الدراسات العليا ودور البحث العلمي :

ان البحث العلمي ليس هو نوع من الترف الفكري او وسيلة للترقية في مؤسسات التعليم العالي لأفراد الهيئة التعليمية من أجل زيادة الدخل المادي او الوصول الى مركز اداري في هذه المؤسسات ، ان السؤال عن دور البحث العلمي يظهر مدى عدم المعرفة في أسس التنمية الاقتصادية والاجتماعية 0فمقارنة الدول الاوروبية قبل الثورة الصناعية بوضعها اليوم يظهر مدى تأثير الصناعة في حياة مجتمع والتي هي نتيجة حتمية للبحث العلمي0إن التعليم دون الجامعي يقوم على عنصري التعليم والإدارة، أما التعليم الجامعي فهو مبني على ثلاثة عناصر، التعليم ، الإدارة والبحث العلمي0 يمكن ان نقسم البحث العلمي الى قسمين: البحث في مجال العلوم الانسانية والتي تتوجه الى دراسة المجتمع وتطويره والبحث في مجال العلوم (العلوم الأساسية ، الهندسية ، الطبية ، التطبيقية 000 )0 ان نمو أي بلد مبني على الانتاج الذي يستطيع ان ينافس به في الأسواق لكي يؤمن دخلا قوميا يغطي متطلبات الرفاهية المتزايدة في كل مجتمع0 ما هي مجالات الانتاج الاساسية ؟ الزراعة ، الصناعة والخدمات 0 لقد استطاع لبنان ان يؤمن مليون سائح خلال العام 2003 وهذا نجاح يشهد له ولكن هل الدخل من السياحة والخدمات يستطيع ان يغطي احتياجات لبنان من الدخل القومي ؟ اما في موضوع الزراعة ، فهل يستطيع لبنان المنافسة في مجال الزراعات التقليدية بأجرة يد عاملة مرتفعة في منطقة لديها نفس التنوع المناخي ، بل أكثر ، وأجرة يد عاملة متدنية ؟ ان أبسط قواعد الاسواق هي تقديم منتج لحاجة او لرفاهية الانسان لم يسبق لأحد آخر ان انتجه وبسعر يكون في متناول اكبر شريحة من المجتمع0 ان نظرة واحدة لما حولنا من منتجات صناعية (البراد ، الغاز ، التلفزيون  والتلفون المحمول0000) تظهر مدى الدخل المادي التي استطاعت ان تؤمنه هذه الصناعات للدول المنتجة والذي يعيش شعبها اليوم في اقصى درجات الرفاهية0 ولكن يتبادر الى الذهن السؤال هل يستطيع لبنان ان يدخل ميدان الانتاج الصناعي ؟ لقد كان في لبنان قبل الحرب منطقة تسمى المنطقة الصناعية وفيها العديد من المصانع وكان لبنان يصنع العديد من المنتجات الغذائية والصناعية الى الدول العربية ، ولكن هذه الدول وعت الى أهمية الصناعة رغم مداخيلها النفطية الهائلة واصبحت هي التي تصدر الى لبنان ما كان يصدره اليها في السابق ان العديد من الدول المتقدمة قد درست امكاناتها وبيئتها وطورت ابحاثها وانتاجها وفقا لهذه المعطيات ، فبلد كسويسرا مثلا ليس لديها المقدرة التنافسية في الصناعات الثقيلة مع الدول المحيطة بها فركزت ابحاثها وطورت صناعة تستطيع ان تنافس بها وهي صناعة الساعات ، كذلك اليابان فان معظم ابحاثها العلمية تمحورت حول صناعة الاكترونيات واستطاعت ان تغزو العالم بهذه الصناعة ، أما حديثا فقد استطاعت ماليزيا الانتقال من دولة فقيرة الى دولة منافسة في مجال الصناعة خلال ثلاثة عقود من الزمن ، كذلك كوريا التي استطاعت ان تسجل اكثر من 16000 براءة اختراع في حين ان عدد براءات الاختراعات المسجلة من قبل الدول العربية لا تتعدى البضع مئات خلال العام 2003 0 ان لبنان صغير في مساحته وثرواته الطبيعية شبه معدومة فكيف يستطيع ان يكون له صناعة تنافس دولا عملاقة في مساحاتها وثرواتها ؟ ان لدى لبنان ثروة فكرية هائلة فإن عدد الأساتذة الجامعيين في لبنان هو بحدود 4000 استاذ او اكثر، اي 4000 حامل شهادة دكتوراه ، وشهادة الدكتوراه هي عبارة عن افادة تؤكد أن حاملها أصبح لديه الكفاءة للقيام بأبحاث علمية ، ان الباحث يستطيع أن ينتج بحد ادنى بحثا واحدا في السنة ، لنتصور ان لبنان استطاع ان ينشر 3000 بحثا في السنة في مختلف حقول المعرفة ، ففي خلال عدد من السنوات يصبح لدينا كما تراكميا من الأبحاث نستطيع ان نطور بها مجتمعنا وصناعة تتلاءم مع امكانياتنا فإن صناعة المعلوماتية مثلا لا يلزمها الا طاقة فكرية فقط علما ان هناك شركات لبنانية في مجال المعلوماتية لها سمعة عالية ولكن للأسف تعمل خارج لبنان 0 من المسؤول عن هدر هذه الطاقة البشرية وهدر امكاناتها الفكرية والانتاجية ؟ ان المجلس الوطني للبحوث العلمية وهو المرتبط مباشرة برئاسة مجلس الوزراء يقوم بدور يشكر عليه ضمن ميزانية مالية محدودة ومن المعلوم ان اسرائيل تضع اكبر نسبة في العالم من ميزانيتها للبحث العلمي وأنها تبيع منتجاتها الصناعية في أرقى الدول الصناعية في العالم 0 لقد قامت الدولة اللبنانية ببعض الاتفاقات مع بعض الدول من أجل البحث العلمي ومن خلال المجلس الوطني للبحوث العلمية ولكن هذه الاتفاقات تغطي بمعظمها كلفة السفر والاقامة في مختبرات خارج لبنان ولبضعة أيام فقط 0 ان هذه الاتفاقات لا تؤسس لصناعة بحث علمي في لبنان بل هي تساعد الباحثين بمتابعة أبحاثهم ونشاطهم العلمي ويستفيد من نتاجها الدول المشاركة في هذه الاتفاقات 0 ان المطلوب لتأسيس الصناعة البحثية هو إنشاء مختبرات للبحث العلمي في لبنان وتجهيزها بالمعدات اللازمة والضرورية 0 ان المجلس الوطني للبحوث العلمية يغطي جزءا من ثمن أجهزة علمية لباحثين في الجامعة اللبنانية فقط بحجة أنها الجامعة الوطنية ، ولكن هل الجامعات الخاصة في لبنان هي غير وطنية وهل ان طلابها غير لبنانيون ؟ ان انشاء مختبرات للبحث العلمي في الجامعات الخاصة سوف يكون على حساب الطلاب المنتسبون الى هذه الجامعات في ظروف اقتصادية لا تسمح بذلك 0 فالتمني على مجلس ادارة المجلس الوطني للبحوث العلمية إعادة النظر بهذا القرار لكي يشمل من يستحق من الباحثين في الجامعات الخاصة 0 من ناحية اخرى فإن هناك مسؤولية على أنظمة بعض الجامعات التي لا تجعل البحث العلمي من ضمن مسؤوليات الأستاذ الجامعي ، ففي بعض الجامعات الخاصة في لبنان (جامعة بيروت العربية، الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية) فإن استمرارية عمل الأستاذ في الجامعة مرتبط بإنتاجه العلمي، اي اذا استطاع الأستاذ ان ينتقل من رتبة علمية الى رتبة أعلى ، بفضل نشره عددا من الأبحاث العلمية في مجلات عالمية، يجدد تعيينه او عقده لفترة محدودة ليترقى الى رتبة علمية اعلى حتى يصل الى اعلى رتبة علمية ، وفي حال لم يكن انتاجه العلمي يؤهله لذلك يفصل من الجامعة  0 ان هذا النظام قد دفع بعملية البحث العلمي في هذه الجامعات الى أفضل المستويات وان افراد الهيئة التعليمية يعملون بشكل دؤوب لنشر اكبر عدد من الأبحاث العلمية في أفضل المجلات العالمية 0

لقد أثار ممثل مصرف لبنان جوا من التفاؤل حول مستقبل لبنان المالي ولكن مداخلة الدكتور ثيودوري كانت على عكس ذلك بالنسبة للصناعة في لبنان0 ان دراسة مشاكل الصناعة اللبنانية ليست هي موضوع هذه الورشة ، ولكن سوف أتكلم عن الجزء المتعلق بالبحث العلمي0 هل التمايز في الجودة يكفي لتسويق المنتجات اللبنانية ؟ بالطبع لا0 لأن العديد من من الدول العربية تطبق معايير جودة الإنتاج التي تكلم عنها الزملاء0 هل يجب على الدولة اللبنانية أن تسعى لكي تكون الدول العربية سوقا للبنان؟ ولكن نعلم بأن الدول العربية تصنع العديد من المنتجات التي تتنافس مع بها في الأسواق0 من هنا يجب طرح السؤال هل استطاعت الصناعة اللبنانية خلق او تطوير صناعات لا تنتج في بدان أخرى ؟ ان السبيل الوحيد لتطوير ونمو الصناعة اللبانية هو الإعتماد على البحث العلمي وذلك بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث0 ان مايقوم به الباحثون اللبنانيون والعرب في المختبرات الأوروبية والاميركية هو اكبر دليل على كفاءتهم في هذا المجال ، فيكفي ان نذكر العالم اللبناني رمال رمال في فرنسا واحمد زويل في اميركا0

لقد ورد في كثير من محاضرات ومداخلات الزملاء عن ضرورة مواءمة البرامج التعليمية في التعليم العالي مع سوق العمل ولكن أود أن أذكر بأن الصناعة وما يلزمها من خدمات قد بنيت على ابحاث علمية قامت بها الجامعات او المؤسسات البحثية ، لذلك فإن المواءمة يجب ان تكون باتجاهين من قبل الجامعات مع سوق العمل ومن قبل الصناعة مع ما تنتجه مختبرات البحث في الجامعات0

إن الاستثمار في مجال البحث العلمي يمكن ان يكون :

أ‌-     استثمار لآجال طويلة مثل الاستثمار في أبحاث في العلوم الأساسية التي يمكن أن تؤسس لصناعات حديثة  مثل تلك التي كانت في الستينات في مختبرات الفيزياء في أبحاث حول أشعة الليزر التي نتج عنها صناعات في مختلف الحقول0

ب- استثمارات قصيرة المدى في أبحاث تتركز حول تطوير صناعات موجودة0

ان تأمين مستلزمات البحث العلمي سواء أكان على الصعيد المالي او الأكاديمي سوف يساهم بزيادة الدخل القومي بالاضافة الى تحسين المستوى الكاديمي للأستاذ الجامعي الذي سوف ينعكس بدوره على مستوى طلاب التعليم العالي ومؤسساته0 ان زيادة ميزانية مؤسسات  البحث العلمي وتخصيص نسبة لا تقل عن 2.5% من ميزانية مؤسسات التعليم العالي للبحث العلمي سوف يؤدي الى تطوير حقيقي للبحث العلمي في لبنان0

ان معظم مؤسسات التعليم العالي لديها اتفاقات علمية مع مؤسسات علمية خارج لبنان ولكن للأسف ليس هناك اي اتفاقات علمية بين مؤسسات التعليم العالي داخل لبنان 0 لقد قامت الجامعة الإسلامية في لبنان بالدعوة الى إنشاء اتحاد جامعات لبنان، كما قامت كلية العلوم في الجامعة اليسوعية بالدعوة الى إنشاء اتحاد كليات العلوم في لبنان 0 ان الدعوة الى الربط بين كليات ومعاهد وجامعات لبنان ببعضها البعض بواسطة اتحادات او روابط او اتفاقات سوف يكون له ابعد الأثر على صعيد البحث العلمي بالإضافة الى دور يمكن ان يؤديه المجلس الوطني للبحوث العلمية في هذا المجال ( وهذا ما يقوم به بالفعل) هو دعم تأليف فرق ومختبرات بحثية من مختلف مؤسسات التعليم العالي في لبنان0

لقد لاحظت من خلال دراستي للعديد من ملفات المعاهد والجامعات المقدمة للجنة المعادلات في وزارة التعليم العالي أنه ليس هناك نظم لترقية افراد الهيئة التعليمية لمختلف الرتب العلمية ، فهناك مثلا في احدى هذه الملفات عميد كلية برتبة استاذ ولديه فقط شهادة الدكتوراه وبحث علمي مبني على بحث الدكتوراه ومؤتمر علمي واحد فقط 0 احد المعاهد الذي لم يحصل على معادلة لشهاداته بعد، يمنح شهادة الماجستير وشهادة الدكتوراه وليس لديه اي فرد من افراد الهيئة التعليمية برتبة استاذ0 ان منح الشهادات العلمية المبنية على ابحاث علمية كالماجستير والدكتوراه يجب ان تخضع لقوانين متشددة لجهة المؤسسة المانحة ولجنة الاشراف على الرسالة او الأطروحة0

1-  يجب ان يكون لدى المؤسسة عددا من أفراد الهيئة التعليمية المتفرغين مناسبا بحد أدنى مع المرسوم 9274 ويجب ان يكون المشرف على الرسالة او الأطروحة برتبة أستاذ، أما إذا كان هناك هيئة اشراف فيجب ان يكون احد افرادها على الأقل برتبة استاذ ذو كفاءة وانتاجية وخبرة بحثية متميزة0

2-  في شهادات العلوم الطبيعية يجب ان يكون لدى المؤسسة المختبرات والتجهيزات التي تؤهلها للقيام بالأبحاث العلمية 0

3-  ولكن لضمان مستوى شهادتي الماجستير والدكتوراه يجب تحديد الرتب العلمية ووضع حد أدنى لشروط الترقية بين هذه الرتب تتناسب مع معايير الجودة في مجال الدراسات العليا ، إذ لا يجوز اعطاء ألقاب علمية في لبنان لا تتناسب مع الألقاب العلمية المتعارف عليها عالميا اليوم 0 ان هذه الرتب وشروط الترقية يمكن ان تحددها لجنة خاصة مكلفة من قبل وزارة التربية والتعليم العالي بالتوافق مع مؤسسات التعليم العالي في لبنان0

4-  كما ان الطلاب المتقدمين لمرحلة الدراسات العليا يجب ان يكون تقديرهم التراكمي في مرحلة الإجازة بحد ادنى "جيد"  0

5-  ان مساقات التعليم بين مرحلتي الإجازة والدراسات العليا يجب ان تكون متجانسة0 على ان تحدد ، من قبل لجنة مكلفة من وزارة التربية والتعليم، مساقات التعليم في لبنان0       

وفي الختام اشكر معالي الوزير على تحقيق هذه الورشة وعلى ما ورد في كلمته في اللقاء التحضيري حول انشاء هيئة مشتركة للتعاون والتنسيق بين فعاليات التعليم العالي وسوق العمال وخاصة الفقرة السادسة وهي تشجيع الأعمال البحثية المشتركة بين الأكاديمي والاقتصاديين وتعزيز الثقة في البحث العلمي وايجاد التمويل لمشاريع بحثية ، واننا نأمل من هذه الهيئة بأكثر من كلمات التشجيع والتعزيز بل بوضع الخطط التنفيذية لتحقيق هذا الهدف0 وشكرا0