هيئات الإعتماد في التعليم العالي

 

أ. د. فيروز فرح-سركيس

مديرة الجامعة العربية المفتوحة في لبنان

 

 

 

أولاً -  مقدمة

 

كما هو الحال مع إتاحة الإلتحاق بالتعليم العالي أمام الجميع في مختلف أنحاء العالم المتطور والذي في طور التطوير في لبنان، ومع كثرة الجامعات وأعداد الطلبة في هذا القطاع أصبح من الضروري الإهتمام بالنوعية، والكلام على النوعية والمساءلة يستوجب تعريف هذه المصطلحات في إطارها العلمي:

 

1- النوعية:

 

ترافق هذا المصطلح تعبيرات عدة مثل تحديد النوعية وتأمينها وضبطها. على أن هذه التعابير تظل تحمل العديد من التفسيرات والتأويلات. وفي العمق فان تأمين النوعية يعني الالتزام بمعايير معينة في الإنتاج وفي أداء الخدمة، والجدير بالذكر أن هذا المصطلح اقتبس عن الانتاج الصناعي والخدمات التي تقدمها الشركات. فالى أي مدى ينطبق هذا المفهوم على الجامعات؟

 

          ان مفهوم النوعية يحمل في طياته معنيين هما " نموذج معايير وتميّز". لذا فان التكلم عن النوعية في التعليم يمكن أن يعني تعليماً ذا نوعية عالية او متوسطة او حتى نوعية متدنية وكلها قائمة على معايير. بينما التعليم ذو النوعية يعني التميز وهذا أيضاً يؤدي الى الخلط، فالمعايير والتميز تحددهما مراجع معينة.

 

          فما هي المراجع التي تحدد نوعية التعليم العالي؟

          كما ذكرنا سابقاً، المصطلح مأخوذ من مصطلحات الشركات المنتجة، فالنوعية في انتاج معين تحددها الجهة المستهلكة او المستفيدة من ذلك الانتاج، فمن المستفيد من التعليم العالي؟

 

          التلامذة طبعاً والهيئات الإقتصادية والمؤسسات الحكومية.... اذا المجتمع بكامله. وتأمين النوعية للجهات المستفيدة يتطلب من الجامعة تسليم انتاجها بناء على متطلبات هذه الجهات، وهذه الجهات تشمل جميع فئات المجتمع كما ذكرنا. وهذا يعني ضمناً لزوم وجود ثقة بين الجامعة والجهات المستفيدة.  ولبناء هذه الثقة هناك اجراءات يدخل فيها ضبط النوعية وادارتها. فما معنى ضبط النوعية؟

 

          ان ضبط النوعية في الانتاج الصناعي، يعني تسليم بضاعة ذات مواصفات معينة، واذا حصل اخلال في المواصفات ترجع البضاعة او تفقد سوقها. اما في قطاع الخدمات ومنها التعليم، فان ضبط النوعية يعني تقديم خدمة معينة ذات مواصفات محددة. وطبعاً ليس في استطاعة المستفيد ان يرد الخدمة كما هي الحال في الانتاج الصناعي بل باستطاعته ان يسجل ماهية العيب والخلل في الخدمة المقدمة وهنا يدخل عنصر "التغذية الراجعة" Feedback لتحسين الخدمة وهي من اهم العناصر في ادارة النوعية. وكما نرى فان ضبط النوعية يلزم بالضرورة ادارة النوعية وادارة النوعية في مؤسسة ما يدخل فيها التدقيق في جميع الإجراءات والأنظمة وتقييم العمل القائم في المؤسسة ومراقبته. وهكذا فان مفهوم النوعية تدخل فيه عناصر عدة: تأمين النوعية – ادارة النوعية – ضبط النوعية – التدقيق في النوعية وتقويمها.

 

2- المساءلة:

 

الكلام عن المساءلة يحمل في طياته أنواعاً عدة منها المالي والإداري والنوعية.  بالنسبة للمالي فهو ينطبق على الجامعات الممولة من قبل الدولة والإداري يتعلق بأمور التراخيص وإحترام الأنظمة وأخيراً المساءلة عن النوعية وهو الأكثر تعقيداً.

 

 

ثانياً -  هيئات التدقيق والإعتماد

 

          لقد ارتأى الكثير من الدول الغربية أن يعمد الى آلية للحفاظ على النوعية ومن أجل ذلك أنشئت هيئات سمي بعضها هيئة اعتماد (accreditation) والبعض الآخر سمي هيئة تقييم (evaluation).

 

لعل من المفيد توضيح مفهوم الاعتماد قبل الولوج الى هيئات الإعتماد.

"الإعتماد الجامعي هو شهادة (status) تمنح لمؤسسة تعليم عالٍ تؤمن معايير محددة لجودة التعليم".

 

          قد تختلف معايير الإعتماد من بلد لبلد أو من مؤسسة لمؤسسة لكن جميعها متفق على أهداف الإعتماد وهي:

1.    المساهمة الى جانب آليات أخرى في تعزيز النوعية في التعليم العالي.

2.    التأكد من أن التلامذة وأرباب العمل والأهل لديهم وصول الى المعلومات التي تبين كيفية حصول التلامذة على شهاداتهم بموجب معايير أكاديمية نوعية.

3.    خلق معايير للتقييم الداخلي في المؤسسات.

4.    التأكد من أنه لدى وجود أي نقص في الإلتزام بمعايير الجودة تتخذ إجراءات لتحسين الوضع.

5.    في حالة الجامعات الحكومية التأكد من أن الأموال العامة تذهب للأهداف الموضوعة من أجلها وأن هنالك إمكانية محاسبة المؤسسات.

 

 

ثالثاً- أنظمة الإعتماد في بعض الدول

 

أ- النظام البريطاني للإعتماد

 

رغم أن الجامعات في بريطانيا مستقلة غير أن معظمها يعتمد على تمويل من الحكومة. وهنالك وكالة ضمان الجودة للتعليم العالي (QAA) وهي وكالة مستقلة مهمتها وضع معايير تضمن الجودة في التعليم العالي كما أن دورها مراقبة استمرار ضمان تطبيق هذه المعايير وتطويرها. والى جانب هذه الوكالة هنالك مؤسسات تمنح الإعتماد مثل OUVS و BAC وغيرها. وإبتداءً من هذه السنة 2004 جميع مؤسسات التعليم العالي في بريطانيا ملزمة إعطاء معلومات عن:

 

-         أنظمة الجامعة

-         قبول الطلاب واستمرارهم وتخرجهم

-         أنظمة ضمان الجودة في المؤسسة

 

1- معايير الإعتماد في النظام البريطاني

 

-         تأمين بيئة تعلمية مناسبة

-         استقلالية الجامعة عن الجهة المالكة

-         ضمان السيولة المالية

-         تأمين هيكل تنظيمي مترابط

-         وجود نظام لضمان الجودة

-         تأمين تطوير المناهج التعليمية وأساليب التقييم بمشاركة الهيئة التعليمية

-         وجود ممتحنين خارجيين وإسهام الاستشاريين من هيئات ومراجع أكاديمية في مجالات المراقبة والتطوير

 

واذا نظرنا الى تفاصيل أكثر نجد ضرورة وجود معايير للعناصر التالية:

 

-         شروط منح الشهادات

-         تحقيق الأهداف التعليمية

-         نوعية وأساليب التعليم

-         التقييم المستمر للبرامج

-         شروط قبول الطلاب

-         طرق التقييم

 

 

2- إجراءات الإعتماد في النظام البريطاني

 

بعد الإتفاق بين مؤسسة الإعتماد والمؤسسة المنوي اعتمادها تجري إجراءات الإعتماد بموجب جداول محددة تتم بموجبها الأمور التالية:

 

-         تتم زيارة المؤسسة التعليمية لمقابلة المسؤولين وللتعرف على مختلف نواحيها

-         تقدم المؤسسة المنوي اعتمادها تقريراً عن أنظمتها وأساليب التعليم وإجراءات ضمان الجودة وعلى الأخص التقييم الذاتي

-         تتم زيارة المؤسسة للإطلاع على مدى تطبيق الأنظمة وتتم مقابلة المسؤولين على أن التركيز هو على مقابلة الهيئات واللجان الاكاديمية والمعلمين والطلاب

-         يقدم تقرير عن نتائج التدقيق للمؤسسة

-         يناقش التقرير مع المؤسسة

-         تصدر التوجيهات بالإعتماد أو الإصلاحات الواجب تأمينها للحصول على الإعتماد

-         تبقى المؤسسة بعد حصولها على الإعتماد والذي مدته 6 سنوات ملزمة بتطبيق المعايير تحت وطأة التدقيق الدوري

             

3- نموذج عن إتفاق مع مؤسسة اعتماد بريطانية

 

يتضمن نموذج الإتفاق الكثير من النقاط والتفاصيل وخطوطه العريضة هي الإتفاق على:

 

-         مراجعة البرامج كل ستة سنوات على الأقل

-         تعيين أعضاء فريق الإعتماد الذي سيكون بشكل عام من عضوين أكاديميين من مؤسسة الإعتماد وممتحنين خارجيين لا علاقة لهم بالمؤسسة المراد اعتمادها ولا بمؤسسة الإعتماد كما أن هنالك مهنيين استشاريين من كل اختصاص وهنالك عضوين من المؤسسة المراد اعتمادها كمراقبين في الإجتماعات ليس لهم حق القرار على أن يكونا من مجلس أمناء المؤسسة وليس من الإداريين

-         زيارة المؤسسة المنوي اعتمادها في أوقات متفق عليها ويجري خلالها مناقشة التقييم الداخلي وكذلك مناقشة التقرير الخارجي ولمؤسسة الإعتماد الحق في مقابلة أعضاء من الهيئة الأكاديمية والإدارية والطلابية للتحقق

-         تأمين ضمان الجودة ضمن معايير تطلبها مؤسسة الإعتماد

-         تقديم تقارير دورية لمؤسسة الإعتماد خلال مدة الإعتماد التي تستمر 5 أو 6 سنوات

-         تدفع المؤسسة المراد اعتمادها مبلغاً محدداً عن كل طالب في الإختصاص المنوي اعتماده

 

 

ب- نظام الإعتماد في الولايات المتحدة

 

مع وجود 6500  مؤسسة تعليم عالٍ فليس في الولايات المتحدة وزارة فدرالية للتربية أو أي سلطة مركزية تمارس صلاحيات على قطاع التعليم العالي... بشكل عام فإن التعليم العالي في مختلف الولايات لديه استقلالية. ولذا فنحن نجد إختلافاً كبيراً بين مختلف الجامعات من حيث التنظيم ونوعية البرامج.  ومن أجل ضمان حداً من معايير الجودة الأساسية، فإن ممارسة الإعتماد هو وسيلة غير حكومية لتقييم الأداء الجامعي. وهنالك ستة مؤسسات يعتمدها مجلس اعتماد التعليم العالي Council for Higher Education Accreditation (CHEA) وهو مجلس خاص على مستوى جميع الولايات ولكنه ليس حكومياً.  ومن مؤسسات الإعتماد:

·       Middle States Association for Colleges and Schools                   

·       New England Association of Schools and Colleges, Commission on Institutions of Higher Education                                                

1- أهداف الإعتماد

 

إن أهداف إعتماد التعليم العالي في الولايات المتحدة تتمحور حول ما يلي:

-         ضمان الجودة، فالإعتماد هو الطريقة الوحيدة التي تبين للطلاب والجمهور أن المؤسسة تقدم النوعية المطلوبة للتعليم العالي

-         إن الإعتماد هو متطلب إلزامي للحصول على تمويل من الحكومة

-         الإعتماد يسهل الإنتقال من مؤسسة تعليم عالٍ لمؤسسة أخرى

-         الإعتماد مهم لأرباب العمل الذين يودون دعم عمالهم لإكمال دراستهم

 

وفي الولايات المتحدة الكثير من المؤسسات ليس لديها اعتماد ولكنها تعمل بموجب ترخيص من الولاية المعينة.

من جهة أخرى هنالك الكثير من مؤسسات التعليم العالي غير المرخصة ويطلق عليها اسم “Diploma mills” وتحذر مختلف السلطات الأميريكية من الإنتساب الى هذه المؤسسات وتبليغ السلطات عن أعمالها. ورغم أن الإعتماد بحد ذاته هو نشاط غير حكومي غير أن الإعتراف بمؤسسات الإعتماد عائد للدولة.

 

2- الإعتماد المهني

 

الى جانب الإعتماد الأكاديمي الجامعي هنالك أيضاً في الولايات المتحدة الإعتماد المهني مثل إعتماد المهن التربوية Accreditation of Professional Education Units ، فبعد الإعتماد المؤسسي هنالك الإعتماد المهني أي أن مؤسسة التعليم العالي التي تحصل على الإعتماد المؤسسي تطلب أيضاً الإعتماد المهني لأقسامها المهنية.

ومن بين هيئات الإعتماد المهني "مجلس اعتماد إعداد المعلمين" National Council for Accreditation of Teacher Education (NCATE)  .  ولقد وضعت هذه المؤسسة معايير لإعداد الكادرات التربوية وكل مؤسسة تطلب الإعتماد المهني التربوي عليها أن تؤمن تطبيق هذه المعايير؛ ومنذ 1996 أضافت NCATE الى معايير الإعتماد شهادات عن المؤسسة من قبل أناس لهم علاقة بها مثل: خريجين ومعلمين حاليين أو سابقين أو أرباب عمل يعمل لديهم خريجون من هذه المؤسسة.

 

3- إجراءات الإعتماد في الولايات المتحدة

 

-         تقدم المؤسسة التي تريد الحصول على الإعتماد طلباً لمؤسسة الإعتماد

-         يطلب من المؤسسة المنوي اعتمادها تقديم الوثائق المطلوبة للإعتماد خلال فترة محددة تمتد أحياناً الى 18 شهراً إذ أن لائحة الوثائق طويلة وبحاجة الى وقت كافٍ للإعداد خاصة بالنسبة للمؤسسات التي تمر بتجربة الإعتماد للمرة الأولى

-         تتم زيارة المؤسسة المنوي اعتمادها ومقابلة المسؤولين والأساتذة والطلاب وكذلك بعض الخريجين للتحقق

-         ينضم الى فريق التقييم مستشارين من وكالة المهنة المطلوب اعتمادها في الولاية المعنية

-         يقدم تقرير عن المؤسسة الى الرئيس المسؤول ويعطى فرصة الرد على ما جاء في التقرير

-         يصدر تقرير بالإعتماد أو عدمه

-         إذا صدر تقرير بالإعتماد والذي مدته 5 سنوات على المؤسسة أن تبرهن خلال هذه الفترة بأنها مستمرة بتطبيق المعايير وإدخال تطوير نحو الأفضل

 

 

جـ - التقييم في فرنسا

 

انشئت لجنة التقييم في فرنسا Comité Nationale d’évaluation des établissements publics à caractère scientifique, culturel et professionnel (CNE)

بموجب قانون التعليم العالي الذي صدر سنة 1984 والذي اعطى الجامعات استقلالية اكثر على الصعيد الاكاديمي والمالي. ثم اتبع بقانون 1989 والذي اعطى (CNE) استقلالية ادارية فأصبحت مرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية. ولذا فهي ليست تابعة لوزارة التعليم العالي.

 

- إجراءات التقييم في فرنسا

 

اما اجراءات التقييم فشبيهة الى حد ما بما يجري في مؤسسات الاعتماد الاخرى اي ان هنالك نوعين من التقييم، التقييم الداخلي والذي هو الزامي للمؤسسة قبل البدء بإجراء التقيييم الخارجي .أما إجراءات التقييم والتي تستمر سنة كاملة فخطوطها العريضة هي:

 

- تعين لجنة لتقييم مؤسسة التعليم العالي حيث يجتمع اعضاء اللجنة مع مدير المؤسسة لاطلاعه على اجراءات التقييم والتي من ضمنها تقديم دليل للتقييم.

- تعود اللجنة للاجتماع مع المسؤولين الاكاديميين والاداريين وممثلي الطلاب لشرح مفهوم التقييم.

- تعطى المؤسسة حوالي ثلاثة اشهر لتقديم تقرير عن تقييم وضعها الى اللجنة.

- تعمد لجنة التقييم إلى جمع المعلومات عن المؤسسة مثل المشاريع التي تقوم بها وعدد خريجيها العاملين في المؤسسات  اي ان احد المؤشرات هي سوق العمل.

- بعد الاطلاع على الوثائق الداخلية للمؤسسة وجمع المعلومات عنها تقوم لجنة التقييم بزيارات ميدانية للتحقق من مضمون التقارير حيث تقابل بعض المسؤولين عن الشؤون الادارية وشؤون الطلاب والاساتذة والطلاب انفسهم .

- تعد اللجنة تقريراً اولياً عن وضع المؤسسة خلال شهر من الزيارات الميدانية ويكون سرياً ويرسل إلى رئيس مؤسسة التعليم العالي. ولا يحوي التقرير أي ملاحظات أو توصيات.

-       تعمد اللجنة الى زيارة ميدانية ثانية للاجتماع بمسؤولي المؤسسة واخذ ملاحظاتهم على التقرير.

-       تعد اللجنة التقرير النهائي وترسله الى المؤسسة مع الملاحظات والتوصيات وعندها على رئيس المؤسسة أن يرد كتابياً.

-       ينشر تقرير لجنة التقييم والى جانبه رد رئيس المؤسسة وتوزع هذه التقارير على رؤساء الجامعات وإلى وزارة التعليم العالي  وبقية الوزارات ونواب المناطق  وتنشر على صفحة الانترنت الخاصة بلجنة التقييم.

 

 

 

خلاصة

 

 

بعد استعراض نماذج عن هيئات الاعتماد والتقييم في دول مختلفة ومع الحاجة إلى تعليم عالٍ ذو جودة ونوعية.

ما هو النموذج الأنسب الذي ممكن تطبيقه في لبنان؟

مما لا شك فيه أن الوضع معقد أكثر مما يتصوره البعض والقرارات والممارسات الخاطئة في هذا المجال ستؤدي حتماً الى تقهقر هذا القطاع الأساسي في التنمية بدلاً من أن يكون احد العناصر الاهم في تطور البلد.

ربما الاستعانة في المرحلة الاولى بهيئات اعتماد خارجي لها مكانتها في هذا المجال هو الانسب.