نصّ المداخلة التي ألقاها الدكتور هنري العويط،

الأمين العامّ لجامعة القدّيس يوسف، في الجلسة الثانية من المحور الأوّل في ورشة العمل التي نظّمتها وزارة التربية والتعليم العالي، وموضوعها

"إعادة تنظيم التعليم العالي الخاصّ"،

وذلك يوم الثلاثاء بتاريخ 10 شباط 2004، في قصر اليونسكو، بيروت


ورشة إعادة تنظيم التعليم العالي الخاصّ

 

 

 

I-    تحديد الإجراءات المتعلّقة بمراحل إنشاء مؤسّسة خاصّة للتعليم العالي، ثمّ مباشرتها التعليم ومتابعته

 

طُلبَ منّي أن أتناول، في الجزء الأوّل من مداخلتي، موضوعَ تحديد الإجراءات المتعلّقة بمراحل إنشاء مؤسّسة خاصّة للتعليم العالي، ثمّ مباشرتِها التعليم ومتابعتِه.

 

لقد شاركتُ في اللجنة المصغّرة، ثمّ في اللجنة الموسّعة التي أعدّت مشروع اقتراح القانون الرامي إلى تنظيم التعليم العالي الخاصّ، والذي عالج في بابه السادس (الموادّ 21 حتّى 31) مسألةَ الترخيص للمؤسّسات الخاصّة للتعليم العالي، من جوانبها المختلفة. فلن أكرّر هنا ما تمّ تفصيلُه في الوثيقة المشار إليها، وهو حصيلةُ تجربةٍ طويلة، وتشاورٍ وطنيٍّ واسع. وفضلاً عن ذلك، لقد عرضَ المدير العام، الدكتور أحمد الجمّال، بصورةٍ مفصّلة جوانبَ من هذه المسألة ؛ كما أنّ جميع الأطراف المعنيّة متوافقون، بل يُجمعون على ضرورة أنْ تمرّ عمليّة الترخيص بمرحلتَين : تتعلّق الأولى بمنح الإذن بالإنشاء، وتتعلّق الثانية بمنح الإذن بمباشرة التدريس. فرأيتُ، في ضوء هذه المعطيات، أنْ أحصرَ كلامي في قضيّتَين تتباين في شأنهما الآراء، وهما:

o  قضيّة تأليف اللجنة الفنيّة ؛

o  وقضيّة الصلاحيّات المَنوطة بها.

 

أوّلاً : في تأليف اللجنة الفنيّة

·  لحَظ مشروع القانون المقتَرَح، في المادّة 28 منه، صيغةً لتأليف اللجنة الفنيّة، فجعلها برئاسة مدير عام التعليم العالي، وتضمّ:

-   عضوَين من رتبة أستاذ يعيّنهما مجلسُ الجامعة اللبنانيّة،

-   عضواً من كلٍّ من مجلس شورى الدولة، ولجنة الاعتراف بشهادات التعليم العالي، وتجمّع نقابات المِهَن الحرّة، تعيّنهم كلّ هيئةٍ بناءً على آليّةٍ خاصّة بها،

-   ستّة أعضاء من الجامعات الخاصّة.

·  راعى المشروع المقتَرَح، في تأليف هذه اللجنة، العناصرَ الأساسيّةَ الآتية :

-        إعطاء حصّة كبيرة للأكاديميّين، عن طريق تمثيلهم بثمانية أعضاء؛

-   التشديد على نوعيّة ممثّلي الجامعات، إذ اشترَط فيهم أنْ يكونوا برتبة أستاذ، ومن ذوي الاختصاص والكفاءة، ولديهم خبرة عشر سنوات على الأقل في التعليم العالي، بدوام كامل ؛

-   ضرورة تمثيل الميادين الدراسيّة الكبرى : التربية، الآداب واللغات و الإنسانيّات، الفنون، الدراسات الدينيّة، العلوم الاجتماعيّة، الإعلام والتوثيق، إدارة الأعمال، الحقوق، الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة والبحتة، الهندسة والتكنولوجيا، العلوم الطبيّة والصحيّة، الزراعة وعلوم التغذية والطبّ البيطري.

 

·  تتمحوَر الملاحظات التي ابداها معارضو هذه الصيغة، حول أربع نقاط أساسيّة، سأذكرها واحدةً واحدة وأردّ عليها تباعاً :

-   الملاحظة الأولى تتعلّق بالحجم الكبير المعطى للجامعات الخاصّة في اللجنة (ستّة أعضاء من أصل 12 عضواً). والصحيح أنّ الصيغة المقتَرَحة راعت التوازن بين القطاعَين الرسميّ والخاصّ، فتمثّل القطاعُ الرسميّ بمدير عام التعليم العالي، وأستاذَين عن الجامعة اللبنانيّة، وقاضٍ عن مجلس شورى الدولة ؛ وتمثّل القطاع الخاصّ بمندوبٍ عن نقابات المِهَن الحرّة، ومندوبٍ عن كلٍّ من الجامعة الأميركيّة في بيروت، وجامعة القدّيس يوسف، وجامعة بيروت العربيّة، وجامعة الروح القدس – الكسليك، والجامعة اللبنانّية – الأميركيّة، وجامعة البلمند.

-   الملاحظة الثانية تتعلّق بحَصْر تمثيل التعليم العالي الخاص بالجامعات العريقة. والصحيح أنّ الصيغة المقتَرَحة سعت إلىالتوفيق بين مبدأ الأقدميّة ومبدأ المداورة بين مؤسّسات التعليم الخاصّ، وفق شروطٍ وآليّات حدّدتها المادّة 17 من مشروع القانون المقتَرَح.

-   الملاحظة الثالثة تعتبر أنّه لا يجوز أنْ تنظر الجامعات الخاصّة في طلبات الترخيص، لأنّها لا تستطيع أنْ تكون طَرَفاً وحَكَماً في آنٍ واحد. والصحيح أنّ هذا القول كلام حقٍّ يُراد به باطل. لن أدافعَ عن كفاءة أعضاء اللجنة الفنيّة الحاليّة، وعن نزاهتهم، وتجرّدهم، وحيادهم، وموضوعيّتهم، وتغليبهم المصلحة الوطنيّة على أيّ اعتبارٍ آخر. بل سأنطلق من الصيغة المقتَرَحة في مشروع القانون لتأليف اللجنة الفنيّة، فأقول إنّ هذه الجامعات الخاصّة ليست وحدها أعضاء في اللجنة الفنيّة، وهي في الحقيقة لا تشكّل إلاّ نصفَ أعضائها. فحتى لو افترضنا أنّ هذه الجامعات اتّفقَت فيما بينها على تبادل الخدمات، وقرّرت التساهل في النظر في طلبٍ قدّمته إحدى الجامعات من زميلاتها في اللجنة، فإنّها لا تستطيع حملَ لجنةٍ تتمثّل فيها وزارةُ التربية والتعليم العالي بمديرها العام، والجامعةُ اللبنانيّة بأستاذَين، ومجلس شورى الدولة بقاضٍ، ونقاباتُ المِهَن الحرّة بمندوبٍ عنها، لا تستطيع حملَ اللجنة على إصدار توصيةٍ بقبول طلبٍ لا يستوفي الشروط الفنيّة والقانونيّة والأكاديميّة.

وفضلاً عن ذلك، فلقد اشترطت المادّة (29) من المشروع المقتَرَح "ألاّ ينتمي أيُّ عضوٍ من أعضاءِ اللجنة الفرعيّة إلى المؤسّسة صاحبةِ الطلب"، وذلك لتوفير أقصى ضمانات الموضوعيّة والحياد.

-   الملاحظة الرابعة والأخيرة تعتبر أنّه لا تتمثّل في اللجنة كافّة الاختصاصات، فلا تستطيع أنْ تنظر في كلّ الطلبات المحالة إليها. والصحيح هو أنّه لا يمكن أنْ تضمّ أيّة لجنة، مهما اتّسع حجمُها، أعضاء يمثّلون كافّة الاختصاصات. هذا طموحٌ مُغرٍ، ولكنّه غير واقعي، وغير عمليّ، وغير مفيد. فلقد دلّت التجربة، سواء في اللجنة الفنيّة أو في لجنة  المعادلات، على أنّ الأعضاء في هاتَين اللجنتَين غالباً ما يستعينون، في دراسة الملفّات أو الطلبات التي تخرج عن نطاق اختصاصهم، بزملاء لهم في المؤسّسات التي يعملون فيها. ولقد لحظت المادّة (29) من المشروع المقتَرَح حقّ اللجنة الفنيّة في أنْ تستعين " بمَن تشاء من أصحاب الإختصاص ... "، كما لحظَت ضرورة أنْ تعيّن اللجنة الفنيّة لجنةً فرعيّةً من ثلاثة أعضاء أو خمسة، من داخل اللجنة أو من خارجها، شرطَ أنْ "تنتمي أكثريّتهم إلى الاختصاصات المعنيّة بالطلب".

 

·  اسمحوا لي، في ختام حديثي في موضوع تأليف اللجنة الفنيّة، أن أشدّدَ على أمرَين :

-   لا يدَّعي واضعو المشروع أنّ الصيغة التي اقترحوها لتأليف "اللجنة الفنيّة للترخيص للمؤسّسات الخاصّة للتعليم العالي"، هي كاملة، أو أنها الصيغة المُثلى لتمثيل مؤسّسات التعليم العالي الخاص تمثيلاً عادلاً. ولكنّهم يعتبرون أنّ تمثيل جميع المؤسّسات أمرٌ مستحيل، ويعتبرون أنّ هذه الصيغة هي الأقرَب إلى احترام أحد المبادئ الأساسيّة التي يقوم عليها دستورنا ونظامنا التربويّ، أي مبدأ المشاركة بين القطاعَين الرسميّ والخاصّ. ويعتبرون أنّها الأقرب إلى تحقيق مبدأ الفعاليّة، المتأتّية عن الكفاءة والخبرة.

-   إنّ إبداء الملاحظات والاعتراضات حقٌّ مشروع، بل هو مساهمةٌ مطلوبة وضروريّة، لأنّ من شأنه تصحيحَ ما يمكن أن يشوب النصوص من أخطاء، وإغناءَ هذه النصوص، وتطويرَها. ولكنّ إبداءَ الملاحظات والاعتراضات لا يكفي، إذا كنّا فعلاً حريصين على إصدار نصوص تشريعيّة عصريّة، متجانسة، ومتكاملة، تستطيع أنْ تخدم الأهداف التي نتوخّاها جميعاً : ضمان جودة التعليم العالي. في الندوة التي نظّمتها اللجنة النيابيّة للتربية والثقافة والتعليم العالي، في المجلس النيابيّ، بتاريخ 21 تمّوز 2003، طلبت رئيسةُ اللجنة أن يقدّم المعترضون على مشروع القانون المقتَرَح، الصيغَ البديلة التي يقترحونها لتأليف مجلس التعليم العالي، أو اللجنة الفنيّة، أو الهيئة الوطنيّة للاعتماد. ويمكنني التأكيد بأنّ اللجنة النيابيّة لم تتسلّم حتّى اليوم أيَّ اقتراحٍ في هذا الشأن.

فأخشى ما أخشاه هو أنْ يجد البعض في هذه الملاحظات والاعتراضات، ذريعةً للعدول عن تمثيل الجامعات الخاصّة في هذه اللجنة وفي سواها من اللجان، وأنْ تقتصر الصيغةُ البديلةُ التي يفكّر فيها هذا البعض على عددٍ من الموظّفين.

 

ثانياً : في صلاحيّات اللجنة الفنيّة

·  أُثيرَت بعضُ الاعتراضات على الصلاحيّات التي أناطَها مشروع اقتراح القانون باللجنة الفنيّة. وقد ورد في أحد التقارير الرسميّة حرفيّاً ما يلي: " إنّ كلّ الصلاحيّات الكبيرة لمجلس التعليم العالي لا تتمّ إلاّ إذا سمحَت اللجنة الفنيّة بذلك، وإذا أوصَت بذلك أو أحالَت تقريراً ايجابيّاً، عدا ذلك فليس له أيّ دور، لأنّ كلّ صلاحيّةٍ له وردت مشروطةً بموافقة اللجنة الفنيّة".

هذا الكلام غير دقيق، بل غير صحيح. أمّا الحقيقة فهي أنّ المادّة (30) من مشروع اقتراح القانون تنصّ على أنّ اللجنة الفنيّة تدرس طلبات الإذن بالإنشاء أو طلبات الترخيص بمباشرة التدريس.

- فإذا وجدت اللجنة الفنيّة "أنّ طلب الإذن بالإنشاء يستوفي جميع الشروط القانونيّة والفنيّة والأكاديميّة المطلوبة، أو تأكّدت من أنّ مقدّم طلب المباشرة بالتدريس يفي بجميع الشروط المطلوبة، ترفع توصيتها المعلّلة بالإذن بالإنشاء أو بالترخيص بمباشرة التدريس إلى مجلس التعليم العالي".

فيعود إذاً إلى مجلس التعليم العالي، كما تنصّ على ذلك المادّتان (20) و (30) من مشروع اقتراح القانون، أن ينظر في الطلبات التي أوصت اللجنة الفنيّة بقبولها، وفي حال موافقته عليها، يرفع اقتراحه بالإذن بالإنشاء إلى مجلس الوزراء الذي يبتّ بالأمر، أو يُصدر مجلس التعليم العالي قراره بالموافقة على المباشرة بالتدريس.

-  أمّا "في حال وجدت اللجنة الفنيّة أنّ طلب الإذن بالإنشاء لا يستوفي جميع الشروط القانونيّة والفنيّة والأكاديميّة المطلوبة، أو وجدت أنّ مقدّم طلب المباشرة بالتدريس لم ينفّذ جميع الشروط المطلوبة...، ترفض الطلب بقرارٍ معلّل، وتُعلم المديريّة العامّة للتعليم العالي بالأمر التي تُبلغ صاحب العلاقة بقرار اللجنة مع أسباب القرار".

·  فما هي الأسباب الموجبة التي دفعت بواضعي هذا المشروع إلى التمييز بين الحالتَين، أي إلى المحافظة على طابَع اللجنة الفنيّة الاستشاريّ في الحالة الأولى، حالة التوصية بالقبول، وإلى تحويلها في الحالة الثانية، إلى لجنةٍ تقريريّة، تملك صلاحيّة رفض الطلب؟

-  لا يحقّ للجنة الفنيّة أن تمنح الإذن بالإنشاء، فهذا القرار هو حصراً من صلاحيّة مجلس الوزراء. ولا يحقّ للجنة الفنيّة أن تمنح الترخيص بمباشرة التدريس، فهذا القرار هو حصراً من صلاحيّة مجلس التعليم العالي. والقراران يتعلّقان بسياسة الدولة التربويّة، وهي سياسةٌ لا يعود للجنة الفنيّة أمرُ رسمها أو تنفيذها. لا يحقّ للجنة الفنيّة أن تقرّر ما إذا كانت منطقة كسروان أو البقاع مثلاً بحاجة إلى جامعات جديدة، ولا أن تقرّر ما إذا كان لبنان يحتاج إلى كليّات طبّ جديدة، ولا أن تقرّر الموافقة أو عدم الموافقة على إنشاء جامعات افتراضيّة، أو مفتوحة، أو تعتمد أنماط التعلّم عن بعد... فهذه قراراتٌ ترتبط مباشرةً بالسياسة الوطنيّة للتعليم العالي التي يتمّ رسمها في ضوء الدستور والسياسة العامّة لتنمية الموارد البشريّة المعتَمَدة من السلطَتَين التشريعيّة والتنفيذيّة.

-  ولكن في المقابل، لا يُعقَل، ولا يجوز أنْ يُترَك لمجلس التعليم العالي، أو لمجلس الوزراء، كما يجري حاليّاً، حقّ الموافقة على طلبات تبيّن، في ضوء النصوص القانونيّة النافذة، وبناءً على دراسةٍ مستفيضة، أنّها لا تستوفي الشروط القانونيّة والفنيّة والأكاديميّة المطلوبة. إنّ النصّ المقتَرَح لا ينال من صلاحيّات مجلس التعليم العالي أو من صلاحيّات مجلس الوزراء، بل يحصّن هذين المجلسَين، ويحول دون وقوعهما في تجاوزات تنال من مصداقيّتهما، وليست في مصلحة التعليم العالي، أو في مصلحة لبنان. فإذا قامت لجنةٌ فنيّة من الاختصاصيّين بالكشف على جسر الدورة، وقرّرت أنّه غير صالح لمرور السيّارات، ويشكّل خطراً على السلامة العامّة، هل يعتبر وزير الأشغال العامّة والنقل أنّ قرار هذه اللجنة الفنيّة ينتقص من صلاحيّاته، وهل يجوز له أن يتجاوز قرارها ويسمح بمرور السيّارات، على مسؤوليّته؟ وإذا قرّرت لجنة فنيّة من الاختصاصيّين، في ضوء الكشوفات المخبريّة التي تجريها، أنّ مياه هذا النبع ملوّثة، أو أنّ هذه المعلّبات فاسدة، وقرّرت منع الشرب من هذه المياه، وإتلاف هذه المعلّبات، هل يعتبر وزير الصحّة العامّة أنّ في قرار اللجنة انتقاصاً من صلاحيّاته، ويقرّر، على مسؤوليّته، السماح بالشرب من المياه الملوّثة، أو بتناول الأطعمة الفاسدة؟

فلماذا نعترف لمصلحة حماية المستهلك بهذه الصلاحيّات، ولا نعترف للطلاّب اللبنانيّين بحقّهم المشروع في لجنةٍ فنيّة مختصّة تحمي حقوقهم التربويّة، أقلّه في حدودها الدنيا؟

كفانا، أيّها السادة، استهتاراً بالتعليم العالي !

II-       التوأمة

يتضمّن جدول أعمال هذه الجلسة الثانية موضوع "الشؤون المتعلّقة بالتوأمة مع مؤسّسة تعليميّة أجنبيّة".

o  فما هو المقصود بالتوأمة ؟

o  وما هي الأهداف المتوخّاة منها ؟

o  وهل يمكن تشريعها قانونيّاً ؟

o  وما هي السياسة التي يحسن بنا اعتمادها في هذا المجال ؟

أوّلاً- في ضرورة تحديد مصطلح التوأمة

يلاحظ قارئ الأدبيّات المتعلّقة بالتعليم العالي في لبنان أنّ عدداً متزايداً من النصوص يستخدم لفظة > توأمة <. وعند التدقيق في هذه النصوص، سرعان ما يكتشف أنّ أصحابها يستخدمونها بمعاني مختلفة. فلا بدّ، ونحن نُعدّ دراسات قد توظَّف في إصدار قوانين ومراسيم تطبيقيّة، من توخّي الدقّة والوضوح في المصطلحات المتداوَلة.

      أ- في أشكال التعاون بين مؤسّسات التعليم العالي

·        يتّخذ التعاون بين مؤسّسات التعليم العالي الأجنبيّة والمؤسّسات المحليّة أشكالاً مختلفة، سأذكر عدداً منها، على سبيل المثال لا الحصر :

-   تبادل أساتذة، وطلاّب، ومنشورات ؛

-   المساعدة في إعداد مناهج، أو تطويرها ؛

-   المشاركة في مشاريع بحثيّة، ودراسات، واستقصاءات ؛

-   المشاركة في تنظيم مؤتمرات علميّة ؛

-   تأمين برامج دراسيّة مشتَرَكة، تتوَّج بمنح شهادتَين Co-diplomation

-   إشراف مشتَرَك على أطاريح دكتوراه Co-tutelle ou Co-direction     de thèses؛

- إنشاء فروع محليّة لمؤسّسات أجنبيّة، يقدّم فيها الفرع المحلّي البرامج نفسها التي تقدّمها المؤسّسة الأمّ ؛

-   مَنح امتياز من مؤسّسة أجنبيّة إلى مؤسّسة محليّة، تقدّم بموجبه المؤسّسة المحليّة البرامج ذاتها التي تقدّمها المؤسّسة الأجنبيّة ؛

-   اعتراف المؤسّسة الأجنبيّة بالمؤهّلات المكتَسَبة في المؤسّسة المحليّة.

·   قد يقوم هذا التعاون بين جامعةٍ وجامعة، أو كليّة وكليّة، أو بين مجموعة جامعات أو كليّات منخرطة في شبكات Réseaux institutionnels .

·   ويتجسّد هذا التعاون في صيَغ تنظيميّة مختلفة، لعلّ أبرزها :

-   اتّفاقيّات إطار Conventions-cadre

-   مَلاحق أو اتّفاقيّات تطبيقيّة Avenants

 

·   تجدر الإشارة إلى أنّ معظم مؤسّسات التعليم العالي في لبنان، العريقة منها والناشئة حديثاً، ترتبط مع مؤسّساتِ التعليم العالي الأجنبيّة باتّفاقيّات، تغطّي مختلف هذه الأنماط من التعاون.

 

ب – التوأمة شكلٌ من أشكال التعاون

·   يتبيّن ممّا سبق أنّ < التوأمة > تسمية عامّة تشمل صِيَغاً متعدّدة ومختلفة للتعاون.

·   أمّا التوأمة، بالمعنى الحصريّ للكلمة، فتمثّل أقصى حالات التعاون، حتّى تكاد تبلغ درجة التماثل بين المؤسّستَين.

·   ويمكن تعريفها بأنّها نمطٌ معيّن من أنماط التعاون بين مؤسّستَين أو أكثر، يقوم على تبادل الخدمات التربويّة لمصلحة الشريكَين أو الشركاء، بحيث تكون المنفعة متبادَلة، فتشارك المؤسّسةُ الواحدة المؤسّسةَ الأخرى في تجاربها وخبراتها في كافّة الشؤون والمجالات، فتكون كلّ مؤسّسةٍ مفيدة ومستفيدة في الوقت نفسه.

·   علينا أن نتذكّر باستمرار أنّ المبدأ الأساسيّ في التوأمة هو الشراكة بين ندَّين Partenariat ، وإلاّ تحوّلت إلى نقيضها، أي إلى إشراف، أو سيطرة، أو استغلال، أي إلى علاقةِ تبعيّة.

ثانياً- الأهداف المتوخّاة من التعاون

·  يمكن أنْ نميّز بين مرحلتَين :

-   في مراحل التأسيس يقوم التعاون على إسداء النُصح والمشورة والمساعدة، في المجالَين التربويّ والإداريّ.

-   في مراحل التطوّر، الغايةُ من التعاون هو تحسين نوعيّة التعليم الجامعيّ، وتحقيق جودة المناهج والبرامج وطرائق التعليم، والحفاظ على مستوى الشهادات وضمان الاعتراف بها.

ثالثاً- هل يمكن تشريع التوأمة ؟

·       المطلوب التعاطي مع هذه المسألة بالكثير من الحذر.

بتاريخ 3/1/2002، صرّح وزير التربية والتعليم العالي السابق، في مناسبة الاحتفال بتوقيع اتّفاقيّة تعاون بين إحدى الجامعات اللبنانيّة الخاصّة وجامعة لافال الكنديّة، بما يلي:

" في ما يتعلّق بالرُخَص الجديدة التي تقوم، وفي رأيي الشخصيّ المتواضع، لا يجوز منذ الآن ومستقبلاً أنْ تُمنَح أيّة مؤسّسة من مؤسّسات التعليم العالي رُخصةً إلاّ إذا كانت لها علاقة ما مع جامعةٍ جادّة من الدول المتقدّمة لكي تأتي بخبرات الآخرين إلى هنا..".

إنّ ربط الترخيص لمؤسّسات التعليم العالي في لبنان بشرط التوأمة بينها وبين مؤسّسةٍ أجنبيّة للتعليم العالي، توجّهٌ لا يخلو من الخطورة، لأسباب مختلفة، هذه أهمّها :

-        يستحيل وضع الشروط والآليّات والضوابط الضروريّة لهذا التدبير القانوني ؛

-        يستحيل وضع قائمة بمؤسّسات التعليم العالي الأجنبيّة التي يحقّ لمؤسّسات التعليم العالي المحليّة، أو يتوجّب عليها، أنْ ترتبط معها باتّفاقيّة توأمة ؛

-        يستحيل التثبّت من أنّ هذا الارتباط بالخارج هو ضمانٌ للجودة والنوعيّة والمستوى ؛

-   يستحيل التثبّت من النوايا الحقيقيّة التي حملت مؤخّراً عدداً من مؤسّسات التعليم العالي الأجنبيّة على القبول بعقد اتّفاقيّات تعاون مع مؤسّسات التعليم العالي العاملة في لبنان، بل حملتها على السعي إلى عقد هذه الاتّفاقيّات.

·  ولا بأس، هنا من المصارحة وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقيّة.

يلاحظ المراقب الإقبال الكبير، في الفترة الأخيرة، على عقد اتّفاقيّات تعاون أو توأمة بين مؤسّسات داخل الوطن ومؤسّسات أجنبيّة، وقد أضحت هذه الاتّفاقيّات موضةً رائجة. هذه الظاهرة تستحقّ أنْ نسعى إلى الكشف عن أسبابها وخلفيّاتها الحقيقيّة.

-   يتبيّن لنا، على الصعيد الداخليّ، أنّ بعضَ هذه الاتّفاقيّات – أقول بعضَ لأنّ التعميم غير صحيح – يندرج في إطار المنافسة المحمومة والسعي الحثيث إلى اكتساب الشهرة الإعلاميّة. ويمكن القول إنّ بعضَ هذه الاتّفاقيّات يقتصر على مجرّد شعارات إعلانيّة، توظَّف في حملات دعاية وترويج، بهدف استقطاب الطلبة، وتحقيق المزيد من الأرباح الماديّة، ولا تهدف أصلاً، ولا هي تؤدّي بالفعل، إلى تحسين التقديمات التربويّة في المؤسّسات المحليّة.

-   ويتبيّن لنا، على الصعيد الخارجيّ، أنّ عدداً متزايداً من مؤسّسات التعليم العالي الأجنبيّة، تستثمر اتّفاقيّات التعاون التي تعقدها مع عددٍ من مؤسّسات التعليم العالي في لبنان، وفي غيره من البلدان العربيّة، كتوظيفاتٍ ماليّة، فتتقاضى رسماً مقطوعاً عن كلّ طالب  (Per capita)، أو مبلغاً إجماليّاً محدّداً. لن أسمّي المؤسّسات المعنيّة في لبنان. حسبي أنْ أشير إلى العقد المُبرَم بين جامعة كورنيل الأميركيّة ودولة قطر، والذي يقضي بأنْ تدفع هذه الأخيرة للجامعة ثمانية ملايين دولار، سنويّاً، لمدّة عشر سنوات. والدوافع الكامنة وراء مواقف الجامعات الأجنبيّة كثيرة، ولعلّ أبرزَها حاجتُها إلى تنويع مصادر تمويلها، وزيادة مداخيلها. وهي مستعدّة، في سبيل ذلك، إلى تأجير اسمها أو بيعه، أو إلى بيع شهاداتها حتّى.

رابعاً- في ضوء ما عرضناه، ولو باختصار شديد، ما هي السياسة التي يحسن بنا أن نعتمدها في هذا المجال ؟

·  لا يمكن، على الصعيد القانوني، رهنُ الترخيص لمؤسّسات التعليم العالي بشرط التوأمة.

·  كلّ تدبيرٍ قانوني يفرض اتّفاقيّة تعاون أو توأمة على مؤسّسات التعليم العالي الراغبة في الحصول على ترخيص، قد يفتح الباب واسعاً أمام مزيدٍ من الفساد والإفساد.

·  وبالمقابل، قد تشكّل اتّفاقيّات التوأمة والتعاون عنصراً من العناصر، أو معياراً من المعايير التي يمكن أخذها في الاعتبار على الصعيد التربويّ، في إطار دراسة الملفّ الذي تقدّمه هذه المؤسّسات لتقييمها واعتمادها. إنّ الغاية من التوأمة هو تحسين النوعيّة، والنوعيّة شرطٌ أساسيٌّ من شروط الاعتماد.

·  يجب تشجيع مؤسّسات التعليم العالي في لبنان، لا بل حضّها على أن تقيم فيما بينها، مزيداً من التعاون والشراكة، وأن يتّخذ تعاونها كافّة الأشكال التي ذكرناها في مطلع حديثنا عن التوأمة. ويجب أن يقوم هذا التعاون بين الجامعة اللبنانيّة وسائر مؤسّسات التعليم العالي الخاصّ، من جهة، وبين مؤسّسات التعليم العالي الخاصّ بعضها مع بعض من جهةٍ ثانية، خاصّة على مستوى الدراسات العليا.

·  ويجب تشجيع مؤسّسات التعليم الخاصّ في لبنان، لا بل حضّها على أن تقيم مع مؤسّسات التعليم العالي الأجنبيّة الرصينة، أوثق روابط التعاون، كوسيلة من وسائل التطوير، وتسريع نقل التكنولوجيا، وتحسين نوعيّة التعليم، وضمان جودته ومستوى شهاداته.

·  ويجب دوماً التنبّه إلى أشكال الاستعمار التربويّ الجديدة ومخاطرها، وتجنّب تحويل مؤسّسات التعليم العالي في لبنان إلى مجرّد مؤسّساتٍ تابعة. فعلينا أن نسعى دائماً إلى تحقيق شراكةٍ تربويّة حقيقيّة.

III-    تحديد الإجراءات المتعلّقة بتطبيق معايير مجالس اعتماد عالميّة

يدور الجزء الثالث والأخير من مداخلتي حول الإجراءات المتعلّقة بتطبيق معايير مجالس اعتماد عالميّة. ويثير عنوان هذا الجزء عدداً من الأسئلة، سأحاول الإجابة عنها، بصورةٍ سريعة، نظراً إلى الوقت المحدود المخصّص للمداخلة، ونظراً أيضاً إلى أنّ مداخلة ثانية ستخصَّص بكاملها لموضوع الإعتماد. أمّا أهمّ الأسئلة فهي :

o  ما هو الاعتماد ؟

o  وما هي مجالس الاعتماد العالميّة المقصودة ؟

o  وما هي المعايير المطلوب تطبيقها ؟

o  ومَن هي الجهة التي ستتولّى مهمّة تطبيقها ؟

أوّلاً : ما المقصود بالاعتماد ؟

لا بدّ من التمييز بين ثلاثة مصطلحات، يختلف مفهوم كلّ واحدٍ منها عن الآخر، وإن تكن متكاملة :

o  التدقيق Audit

o  التقييم Évaluation

o  الاعتماد Accréditation

-  فالتدقيق تقوم به مؤسّساتٌ متخصّصة، هي مكاتب أو شركات خاصّة، أو هيئات رسميّة، ويمكن أنْ يطغى عليه الجانب الماليّ، ويتمّ بناءً على الاستراتيجيّة التي وضعتها مؤسّسة التعليم العالي لنفسها، ويكون وصفيّاً فقط، أي أنّه لا يقدّم اقتراحات تهدف إلى تطوير المؤسّسة.

-  أمّا التقييم، فيمكنه أنْ يكون ذاتيّاً (أي من داخل المؤسّسة)، أو خارجيّاً (أي يقوم به أشخاصٌ ينتمون إلى عالم التعليم العالي، ولكنّهم من مؤسّسات أخرى، داخل الوطن أو خارجه، ويُدعى تقييم الأقران (Peer evaluation Évaluation des pairs). التقييم يشمل التدقيق، ولكنّه يتخطّاه، لأنّه يأخذ في الاعتبار عناصر ومعايير ومتطلّبات غير ملحوظة في استراتيجيّة المؤسّسة، ويقدّم اقتراحات تهدف إلى تطوير المؤسّسة.

-  وأمّا الاعتماد، فهو عمليّة التقييم التي تخضع لها إحدى مؤسّسات التعليم العالي، أو تُخضِع لها أحد برامجها، بمبادرةٍ طوعيّة منها، لا تنفيذاً لقرارٍ حكوميّ. وتقوم بعمليّة التقييم هذه، إحدى هيئات أو مجالس الاعتماد، استناداً إلى معايير محدّدة standard ، وتقرّر بنتيجتها، أنّ هذه المؤسّسة، أو هذا البرنامج، تستوفي الحدّ الأدنى من المعايير، فتصبح بالتالي معتَمَدة، لفترةٍ زمنيّة معيّنة. فالاعتماد هو شهادة تُثبت ضمان النوعيّة والجودة Label d'assurance qualité ، وهي ضروريّة للمؤسّسة في علاقتها مع أولياء الطلبة، والطلبة،والأساتذة، والجهات المانحة، وسوق العمل. وهي تختلف عن عمليّة اعتراف السلطات الحكوميّة بالشهادات التي تمنحها المؤسّسة.

ثانياً : ما هي مجالس الاعتماد العالميّة المقصودة ؟

·  يمكن تصنيف مجالس الاعتماد في فئتَين :

-   فئة المجالس المتخصّصة، وهي التي تتولّى مهمّة اعتماد برامج دراسيّة محدّدة (أي مادّة من موادّ الاختصاص التي تؤمّن إحدى مؤسّسات التعليم العالي تدريسها، مثلاً : إدارة الأعمال، أو إعداد المعلّمين ؛ لا بل إحدى الركائز أو الشُعَب Option, filière, مثلاً : علم النفس السريري Psychologie clinique0 نذكر من هذه المجالس :

ABET = American Board for Engeniering and Technology

وفي مجال إدارة الأعمال : AACSB  EFMD

-   فئة المجالس التي تتولّى اعتماد المؤسّسة بكاملها.

·  تجدر الإشارة إلى بروز فئة ثالثة، هي أشبه ما تكون بشبكة مجالس اعتماد      (Réseau) ، تتولّى مهمّة التنسيق بين مختلف مجالس الاعتماد، وتتولّى مراقبتَها واعتمادَها. وأهمّها حاليّاً:

-   على الصعيد الأميركيّ : Council for Higher Education Accreditation (CHEA)

-   على الصعيد الأوروبيّ European Network for Quality Assurance

·  ويمكن تصنيف مجالس الاعتماد، بناءً على انتمائها الجغرافيّ، وأهمّها حاليّاً منتشر في قارّتَين :

أ‌-  في أميركا

يمكنها أن تكون على صعيد الولاية الواحدة، أو أنْ تكون إقليميّة، تشمل عدّة ولايات. وبعضُها، كما ذكرنا سابقاً، يتولّى اعتماد برنامج محدّد، وبعضها الآخر يتولّى اعتماد المؤسّسة بكاملها.

ب‌-                    في أوروبا

إذا اخترنا الهيئة القائمة في انكلترا مثلاً، نجد أنّها تقوم على مبدأ التعاون بين السلطات الرسميّة، والجامعات، وهيئات المجتمع المدنيّ، وأنّها خاصّةً تتمتّع بالاستقلاليّة، فهي تتألّف من :

-   أربعة أعضاء يمثّلون اتّحاد مؤسّسات التعليم العالي في انكلترا،

-   أربعة أعضاء يمثّلون المؤسّسات المموِّلة والمانحة، أي الدولة،

-   ستّة أعضاء يمثّلون هيئات المجتمع المدني ذات العلاقة، يتمّ اختيارهم من عالم الصناعة والتجارة والمال ونقابات المهَن الحرّة (Ordres)، أي من عالم القطاعات التي ستستقبل الخرّيجين.

 

ثالثاً : ما هي المعايير المطلوب تطبيقها ؟

·  لا بدّ من إبداء الملاحظات الأربع الآتية :

-   الملاحظة الأولى تتعلّق بواقع لبنان، وكثرة مؤسّسات التعليم العالي فيه، وتعدّد أنواعها (من جامعات، وكليّات، ومعاهد جامعيّة، ومعاهد تكنولوجيّة)، واختلاف الأنظمة التربويّة ولغات التدريس التي تعتمدها،... فلا بدّ من مراعاة ذلك كلّه في أيّ قرارٍ يتعلّق بالاعتماد.

-   الملاحظة الثانية تتعلّق بتعدّد مؤسّسات الاعتماد، على الصعيد العالمي، في أميركا وأوروبا، وبتعدّد هذه المؤسّسات واختلاف أنظمتها داخل أميركا، وداخل أوروبا. سأكتفي، لتوضيح صورة التعدّد هذه، بلفت الانتباه إلى أنّ في أوروبا وحدَها، وفي مجال اختصاصٍ واحد محدّد هو إدارة الأعمال، أربع هيئات مختصّة تتولّى إعتماد البرامج. وبهذا المعنى، لا وجود لمجالس أو لمعايير اعتماد عالميّة، أي شاملة.

-   الملاحظة الثالثة تدور حول تجربة بلدَين عربيَّين من منطقة الخليج، هما الكويت والإمارات العربيّة المتّحدة، استعانتا بمنظّمة ABET. تبيّن للخبراء، في ضوء هذه التجربة، أنّ ABET طبّقَت في هذين البلدَين المعايير التي تطبّقها في أميركا، ولكنّها طبّقتها بمحكّات (أي بمتطلّبات وشروط) مختلفة عن المحكّات والمتطلّبات التي تطبّقها داخل أميركا. ولذلك، فإنّ نتائج الاعتماد، وإن استندت إلى المعايير نفسها، لا توفّر الضمانات نفسها.

-   الملاحظة الرابعة والأخيرة تتعلّق بالتطوّر الحاصل حاليّاً في مفهوم الاعتماد. ففي البدايات، كان التركيز على المعايير الكميّة والنِسَب       (Critères quantitatifs et ratios). وخير مثالٍ على هذا النمط من المعايير ما نجده في المرسوم رقم 9274 الصادر في 7 تشرين الأوّل سنة 1996، والذي حدّد الشروط والمواصفات والمعايير المطلوبة للترخيص بإنشاء مؤسّسة خاصّة للتعليم العالي أو باستحداث كليّة أو معهد في مؤسّسة قائمة : (نسبة الأساتذة إلى الطلبة ؛ نسبة حَمَلة الدكتوراه إلى مجموع الأساتذة ؛ نسبة مساحة الحَرَم الجامعيّ إلى مجموع الطلبة ؛ نسبة عدد الكتب في المكتبة إلى مجموع الطَلَبة ؛ ... الخ). أمّا اليوم، فنشهد تحوّلاً لافتاً على صعيد المعايير، إذ يتمّ التركيز، لا على الطلبة، بل على نوعيّة الخرّيجين، من حيث اللغات التي يتقنونها، والفترة الزمنيّة التي تفصل بين تخرّجهم وحصولهم على عملهم الأوّل، والراتب الذي يتقاضونَه في هذا العمل الأوّل ... الخ.

رابعاً : مَن هي الجهة التي ستتولّى عمليّة الاعتماد في لبنان؟

·  في ضوء ما سبق، إذا قرّر لبنان تطبيق معايير اعتماد دوليّة، ما هي القارّة التي سيفضّلها (أوروبا أم أميركا)، وما هي مؤسّسة الاعتماد التي سيختارها، وما هي المعايير التي سيتمّ تطبيقها ؟

-   لا يصحّ تطبيق المعايير المقرّرَة في هيئات الاعتماد العالميّة، تطبيقاً آليّاً في لبنان.

-   هذه المعايير تصلح كمرجعيّة، نسترشد بها، ونستوحي منها ما يلائم أوضاعنا، فهي إذاً بحاجة إلى أنْ نكيّفها.

-   إنّ الاعتماد لا يُغني عن التقييم الذاتي، بل يشترطه كمرحلةٍ أولى من مراحل الاعتماد.

-   قمتُ مؤخّراً مع زميلٍ من السودان، بتمثيل اللجنة الإقليميّة للدول العربيّة الخاصّة بتطبيق الاتّفاقيّات الدوليّة بشأن الاعتراف بشهادات التعليم العالي، وذلك في المؤتمر الدولي الذي نظّمته اليونسكو، وكان موضوعه الاعتماد. استطيع أن أؤكّد لكم أنّ المراجع الدوليّة المعنيّة تُجمع اليوم على ضرورة إنشاء هيئات وطنيّة للإعتماد.

-   انسجاماً مع هذه التوجّهات الدوليّة، وفي ضوء الخبرة اللبنانيّة، اقترحت اللجنةُ التي أعدّت مشروع اقتراح قانون تنظيم التعليم العالي الخاصّ، هيئةً وطنيّةً لتقييم النوعيّة في التعليم العالي، وضمّنت الباب السابع منه (الموادّ 33 إلى 43) الأحكام الخاصّة بإنشاء هذه الهيئة.

·  فاسمحوا لي، في ختام هذه المداخلة، أنْ أشدّد على أمرين:

أ- لا بديل عن هذه الهيئة الوطنيّة إذا كنّا فعلاً حريصين على ضمان جودة التعليم العالي في مؤسّساتنا.

ب-  أمّا الصيغة المقتَرَحة لتحديد مهام هذه الهيئة الوطنيّة وصلاحيّاتها، وتشكيل أعضائها، وآليّات عملها، فمعروضة للنقاش، وقابلة للتعديل والتطوير، بما يحقّق الأهداف المرجوّة من إنشائها، ويضمن كفاءةَ أعضائها وموضوعيّتَهم، ومصداقيّةَ الهيئة وفاعليّتها.