مداخلة الأب الدكتور جورج حبيقة

نائب رئيس جامعة الروح القدس - الكسليك

في المحور الرابع : معايير لضمان جودة البرامج التعليمية في التعليم العالي

من ورشة العمل التي تنظّمها وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان

حول "إعادة تنظيم التعليم العالي الخاص"

اليونسكو – بيروت، 23 شباط 2004

 

 

صاحب المعالي،

أصحاب السعادة،

أيها الزميلات والزملاء الكرام،

 

إنه لمن دواعي السرور والافتخار أن أعقّب على المداخلة القيّمة التي ألقاها زميلي الدكتور رمزي سلامه. كلنا يعرف جيّداً إلى أيّ مدى يوظّف الدكتور سلامة طاقاته التحصيليّة والبحثيّة والنقديّة في ميادين تتعلّق مباشرةً بمسألة التعليم العالي. فالدراساتُ والمقاربات التي وضعها في لبنان أو من خلال هيئاتٍ دوليّة تُعتبَرُ بحق رافداً من الروافد المهمّة التي تدفعُ إلى المزيدِ من الدقَّة تشخيصَ واقعِ المعرفة ومستقبلِها في حرمِ الجامعات ومختبراتها.

في المداخلة التي كان لنا اللذة الفكريّة بالإصغاء إليها في صبيحة انطلاقة المحور الرابع الذي يدور في كلِّ مفاصله حول المعايير التي من شأنها أن تؤمّن الإطارَ الضامنَ للجودةِ في صياغة البرامج التعليمية في التعليم العالي، استوقفنا بشكلٍ خاص الترابطُ المنطقي في العبور من نقطةِ بحثٍ إلى أخرى والشفافيّةُ في إدارة التحاليل وتدعيمها بعيّناتٍ مستقاةٍ من اليوميّات الجامعية المثقلة بالواقعية والبعيدة كلّ البعد من التجريد الذي يتوالد من ذاته في دائرة التنظير العقيم. فباسمكم جميعاً أسوقُ له جزيلَ الشكرِ والامتنان على هذه المساهمةِ التي أتتْ على درجةٍ عالية من الدقّة في التفاصيل ومن المتانةِ في الحبكِ المنطقي.

أما في ما يعودُ إلى النقاطِ التي أودّ أن أتوقّفَ وإيّاكم عندها بغية إخضاعها لتحاليلَ لم ترِد في متنِ مداخلةِ الدكتور رمزي سلامه، فهي التالية :

1. مفهوم الجودة

2. البرامج الجامعية وسوق العمل

 

أولاً : مفهوم الجودة

إنَّ هذا المصطلح "الجودة" أو qualité, quality، شاعَ استعماله التقييمي في حرم المصانع. فالآلات والمنتوجات المصنّعة تخضع تلقائيّاً ودوريّاً لمعاييرَ تقييميّة يقوم دورُها على فضح نقاط الضَّعفِ والخلل ليصارَ إلى معالجتِها بهدفِ الاقترابِ المستدامِ من أعلى درجاتِ الجودةِ التصنيعيّة. ونظراً لضيق الوقت، لن أدخل في تفاصيل المعايير التي عليها تقوم عمليات التقييم الصناعي، ولكن، بوجيز الكلام، ليس هناك من مغالاةٍ إنْ قلتُ إنها لا تتمايزُ كثيراً لا في الشكل ولا في المضمون عن المقاييس التي درجت هيئاتُ الاعتماد على إدخالها في منظومةِ المعايير لتقييمِ البرامجِ التعليمية في التعليم العالي.

ومصداقاً على ذلك، نكتفي بالإشارةِ إلى بعض المصطلحات التي هي أيضاً تسلَّلت من مستودعاتِ المصانعِ ودخلت في غفلةٍ من التفكيرِ والمنطقِ إلى حرمِ المؤسساتِ التعليميّة : المنتَج العلمي أو الناتج العلمي، المدخَلات والمخرَجات العلميّة أي في اللغة الانكليزية product, input, output. فهل يعقل أن الإنسانَ العجيبَ في أسراره وتراكيبه والعاصي أبداً على كلّ التحديدات تُختَزَلُ تعدُّديَّةُ أبعادِه في قولبةٍ تصنيعيّة قائمة على ما نُدخِلُ في الطالب من معارفَ وما نُخرِجُ منه من ناتِج؟ إنَّ هذه المكننة التي أردنا بها تحقيقَ الجودة وضمانَها في التعليمِ العالي، تمسُّ بجوهر الإنسان وكرامته، وتعتقل خصائصَه الفريدة من نوعها في دائرة التشييء القاتلة. وهكذا بطريقةٍ عبثيّة، بدل أن نؤنسِنَ التكنولوجيا، إنتهينا إلى مكننةِ الإنسان.

من هنا، أقترح أن يعادَ النظرُ في المصطلحاتِ التي درجنا على استعارتِها من القطاعِ الصناعي وأقمناها معاييرَ تقييميّة لمكتسباتِ الإنسان إبّان تنشئته الجامعية.

أما بالنسبة إلى الدلالات غير المباشرة التي تواكبُ مفهومَ "الجودة"، أو بالأحرى مفهومَ الامتياز أو التفوّق، أودُّ أن أشدِّد على الفكرة التالية : فكما أنَّ الحياة إنما هي إنتصارٌ في كلِّ لحظة على قوى الموت كاستحقاقٍ محتوم، كذلك "الجودة" هي انتصارٌ في كلِّ لحظة على استحقاق الوضاعة (médiocrité). ولا أبالغ إنْ قلتُ إنَّه لمَِن الأسهل على الإنسان أن يبلغ التفوّق من أن يحافظَ عليه. فكم من مؤسّسةٍ جامعيّة في لبنان وفي العالم أجمع عوقبت بنجاحها، إذ عِوَضَ أن تُضاعِفَ الجهدَ للمحافظةِ على ما أصابت من تفوُّق، سَكِرت بإنجازاتِها واستلقت مسترخيةً في واحاتِ الشهرةِ إلى أن استيقظت من سُباتها ورأت نفسَها على أطلالِ أمجادِها. رُبَّ نجاحٍ كان قصاصاً،  ورُبَّ فشلٍ كان مهمازاً للتفوُّق.

 

ثانياً : البرامج الجامعيّة وسوق العمل

مع انبلاج الثورة الصناعية في القرنِ التاسعَ عشر، زُفَّ للإنسان خبرُ العبورِ الوشيك إلى نمطٍ من الحياة لم يعرفه في السابق. والسببُ في ذلك، هو أنََّ الإنسانَ الذي كان يكدَحُ ليلاً ونهاراً ليؤمِّنَ قوتَه، باتَ اليومَ بفضلِ الآلةِ التي أسقطت المسافات وقلَّصت أوقات العمل، يتمتَّع بهامشٍ كبيرٍ من الطواعيّة ليملأه بالتثقيف الحرّ المتفلّت من أسوارِ البرامج الجاهزة، والاكتساب المستدام للمعرفة من أجلِ المعرفة بعيداً من المعارف المتّصلة مباشرةً بالاستهلاكية النفعيّة في سوق العمل. ولكنْ، للأسف، إنَّ مآتي الثورة الصناعية لم تكن دائماً على موعدٍ مع هذا الرخاء التعليمي والتثقيفي، بل زجّت الإنسانَ في دوّامةٍ مجنونة من الإنتاج المفرط لمجتمعٍ استهلاكي مسعور، واضطرته، في كثيرٍ من الأحيان، إلى أن يقومَ بعملَين أو أكثر لا ليعيشَ بكرامته، بل ليؤجّلَ استحقاقَ البؤسِ.

إذا كانت الرأسماليّة الجامحة التي تغذّيها باستمرار الماديّة المتطرّفة قد قضت بشكلٍ واسع على مساحاتِ الثقافة من أجل الثقافة، والعلم من أجلِ العلم، ينبغي عندها على مؤسّسات التعليم العالي أن تفرزَ في هيكليّة برامجها حيّزاً للمعارف المتنوّعة التي تروي جزئيّاًَ عطشَ الإنسان لكثيرٍ من الحقائق غير المتّصلة مباشرةً بما سيقومُ به من عملٍ تخصّصي واحترافي. هذا لا يعني مطلقاً أننا ندعو الجامعاتِ إلى صياغةِ برامجها التخصّصية في التعليم العالي من دون أن تأخذ بعين الاعتبار حركيّةَ سوقِ العمل وحاجاتِه، بل إننا نسلِّطُ الضوءَ على المخاطرِ التي يولّدُها الربطُ المحكم للجامعةِ بسوقِ العملِ وحسب. فالإنسانُ لا يساوي ما يعمل. فهو يتجاوزُ حقلَ عملِه الضيّق ليكونَ في الرحابِ اللامتناهية لجوهرِه الإنساني. وإذا أخذنا على سبيلِ المثالِ لا الحصر، بعض الشهادات الجامعيّة في الولايات المتّحدة الأميركية، نلاحظُ بشكلٍ جليّ أنَّ المقياسَ الذي إليه يستندون في عملية التقييم، بالإضافة إلى برنامج التخصّص، إنما هو منظومةُ الدراسات التثقيفيّة التي تؤطّر الاختصاص بميادينَ بحثيّة تتّصل اتّصالاً مباشراً بهموم الإنسان وقضاياه المجتمعيّة والنُّهيويّة. وما نراه اليوم في صياغةِ البرامج الجامعية في التعليم العالي في لبنان، يشكّل إلى حدٍّ ما مؤشّراً سلبياً للمنحى الذي تأخذه شؤون الجامعات وشجونهم. علاوةً على المنافسة في مضمار كلفة التعليم العالي، وهذا أمرٌ جيّد، فالجامعات تتنافسُ في تقديم البرامج الأكثر اقتضاباً من حيث عددُ المقرّرات وحصرُها في حقل الاختصاص، متخلِّين بذلك عن عددٍ لا بأس به من مقرّرات الثقافة الإنسانية العامة. فيتساءل الطالبُ لماذا عليَّ أن أتسجَّل في هذه الجامعة حيث الإجازة تحضَّر بمئةٍ وأربعة أرصدة، بينما في الجامعة تلك أو المعهد الجامعي ذاك، تحضَّر بالحدّ الأدنى أي بتسعين رصيداً. هذا المنطق التسوّقي في اختيار البرامج الجامعية باتَ يتحكّمُ إلى حدٍّ ما بأغلبية سلوكيّات الطلاب تجاه بعض المواد المقترحة عليهم من خارج الاختصاص. فيقولون : هل هذا المقرَّرُ يفيدُني في مهنتي المستقبليّة؟ هذا التساؤلُ يُظهر بشكلٍ لا لبسَ فيه كيف أنَّ القيّمين على التنشئة الجامعية دفعوا الطالبَ من حيث لا يدرون، بسبب الإفراطِ في ربطِ الجامعة بحاجاتِ السوق، إلى اختصارِ نفسه في استهلاكيّةِ سوق العمل، غير آبهٍ بعطشِهِ للمعارف بحدّ ذاتها، وللثقافةِ في كلّ طيّاتها، ولتساؤلاتِه كإنسانٍ ملقىً في معادلاتٍ كيانيّة لا حدَّ لها.

وفي نهاية تعقيبي، أستميحكم عذراً إنْ تجاوزتُ العشرة دقائق المعطاة لي لإبداء ملاحظاتي، متمنّياً لوُرشِ عمل وزارة التربية والتعليم العالي لإعادة تنظيم التعليم العالي الخاص في لبنان بلوغَ المرتجى. وشكراً.