التعليــم العالــي الخــاص

اعادة النظر بالقوانين والانظمة

----------------------  

 

تعقيباً على محاضرة الدكتور احمد الجمّال

المدير العام للتعليم العالي

                                           -------------         

 

                                                                                          د. انطوان سعد

                                                                                      امين عام جامعة الحكمة

 

للمقاربة التي استمعنا اليها الحين قيمة مضاعفة، اكتسبتها اولاً من موقع صاحبها وواقعيته وثانياً من واقع التعليم العالي الخاص، وهو المتأرجح بين انظمة اصبحت متعبة وعاجزة عن المتابعة، وحاجة باتت تتطلب اطراً ووسائل واليات جديدة تطمئن الحاضر وتقود الى المستقبل.

ان قراءتنا لموضوع التعليم العالي اليوم، كيفما كانت منهجيتها: سواء من النصوص باتجاه التطبيق، ام من الواقع الراهن باتجاه التنظيم القائم او المرتجى، تواجه حقائق لا بد من ابرازها والتباسات لا بد من جلائها تمهيداً لتركيز الاسس اللازمة للانطلاقة الجديدة.

 

اولاً: في الحقائق.

1.    ليس من ينكر او يتنكر ان قانون التعليم العالي الخاص المولود في 26/12/1961 في اجواء ضاغطة، قد ادى قسطه بامانة وخدم هذا القطاع على مدى اربعة عقود ونيف، وحسبه انه كان محطة انطلاق بدأ منها التأريخ الجامعي في لبنان، بعدما كان مشوباً بالكثير من الغموض والابهام وعدم الدقة.

لقد انتظر هذا القانون خمساً وثلاثين سنة ليكتمل بالمرسوم 9274/96 الذي حدد شروط الترخيص ومعاييره والمواصفات، غير ان هذا الانتظار لم يكن مرهقاً لصاحبه ولا مقلقاً للتعليم العالي، فمعظم الجامعات العاملة في ظل قانون ال61 التزمت باحكامه- وان في حدها الادنى احياناً- وكان لها نوع من رقابة ذاتية، امّنت لها الحماية من الداخل، وهي حماية كمّلت نقص القانون واغنت عن العودة اليه او التفتيش عن سواه في احيان كثيرة.

 

2.    اما القانون 83/67 الصادر في 28 كانون الاول 1967 الذي انشأ المجلس الاستشاري الاعلى للجامعات فانه يكتسب برأينا اهمية قصوى ان من حيث الطابع التمثيلي الشمولي لهذا المجلس او من حيث المهام الموكولة اليه، الهادفة الى ايجاد اساس متطور للتعاون بين الجامعات وتنسيق الجهود الرامية الى رفع مستوى التعليم وتعزيز العلاقات لكل منها.

ان في هذا القانون تأكيداً على دور الجامعات " كسلطة " اكاديمية وثقافية وذات موقع مميز بين السلطات، ونظرة رؤيوية لما يجب ان تكون عليه جامعاتنا اليوم وغداً ولما يمكن ان تقوم به متعاونة لتأمين مصالحها ومصالح المجموعة ايضاً.

         لقد توقف هذا المجلس عملياً. فهل يعقل ان يتوقف عمل مجلس بهذه القامة بسبب غياب نص ينظم اعماله وموظف  يتولى امانة سره؟

ان لنا عودة الى فكرة هذا المجلس في القسم الاخير من هذه المداخلة.

 

3.    لا نجهلن ما تعانيه التشريعات الناظمة لقطاع التعليم العالي حاضراً، ولكن هذه المعاناة، برأينا، ليست متأتية من قلب النصوص القائمة، بقدر ما هي من المناخ التشريعي العام الذي يرعى هذا القطاع...

فالنصوص الموضوعة بين ايدينا اليوم لم تصدر دفعة واحدة بل على دفعات، تفصلها عن بعضها سنوات طويلة وظروف مختلفة، مما افقدها التماسك وافرغها من خط جامع ومستقيم المنحى، كان يمكن في احسن الحالات ان ينقل " السياسة الوطنية العامة للتعليم العالي العام والخاص "، على حد تعبير القانون 215 الصادر في 2 نيسان 1993 (المتعلق باحداث وزارة الثقافة والتعليم العالي).

يضاف الى ذلك ان عوامل اخرى ساهمت في تلوّث البيئة القانونية التي يعيش فيها التعليم العالي:

فثمة مراسيم وضعت ثم تم التراجع عنها بمراسيم لاحقة (مثل المراسيم 9275 و9276 و9277/96 الملغاة بالمرسوم 10434/97)،

وثمة مراسيم موعودة طال انتظارها ولم تصدر بعد، مثل مرسوم رقابة وزارة التربية والتعليم العالي، والمرسوم المحدد لشروط الاعتراف بالشهادات،

وثمة مراسيم صدرت دفعة واحدة بالتزامن مع سلة المراسيم التي اتت بالتراخيص للجامعات بين 96و99.

وثمة ممارسات سياسية وادارية تنّم عن عدم الاحترام للنصوص القانونية وللهيئات المنشأة في ظلها سواء بتجاهلها لتقاريرها او بعدم الرغبة في تطبيقها او بانتقاء ما يناسبنا منها، جزئياً واستنسابياً.

نستنتج اذن ان المشكلة لا تكمن فقط في ملاءمة التشريعات القائمة بل خاصة في مدى تطبيق ما هو موجود من هذه التشريعات، بمعزل عن الحاجة الى تحديثها.

واقول ايضاً في مدى الاستعداد لاستقبال تشريعات ووسائل رقابية جديدة وقبولها في ممارساتنا السياسية وفي حياتنا الجامعية.

 

ثانياً: في الالتباسات :

           ثمة اسئلة محددة تلح علينا، الان وكل آن:

1.    اولها عن ملكية الجامعة... فلمن يعطى الحق في تملك جامعة او معهد عالٍ؟

حسناً فعل القانون بان خصّ بذلك الشخص المعنوي، سواء كان لبنانياً او اجنبياً، لما يفترض ان يمثل هذا الشخص من ثقة ومصداقية ورسولية في العمل الذي يقوم به.

ولكن ما يجب توضيحه هنا هو عن طبيعة هذا الشخص المعنوي، فالامر يختلف بين مؤسسة ضخمة- قد تكون دينية، ولا ضير – وجمعية خفيفة الوزن متواضعة الطموح او نادٍ ثقافي لا خيل عنده يهديها او شركة مدنية صنعها افراد بهدف تأسيس جامعة، وليس ما يمنع ذلك قانوناً... مع ان انضواء المؤسسين في شركة كهذه هو التفاف على القانون للاستحصال على ترخيص بتملك جامعة... واية مصلحة لهم في ذلك سوى الربح المادي؟

2.    وهذا ما يقودنا الى السؤال التالي: هل يجب ان يكون للجامعة هدف ربحي، ام انها مؤسسة لا تتوخى الربح؟

فاذا كان الجواب بالايجاب المطلق تحوّل التعليم العالي الى مشروع استثماري- والاستثمار في هذا القطاع مشروع في دول اميركية- وتوجهت بالتالي الاعمال الاكاديمية في اتجاه معروف هو الكسب، ويخشى جدياً ان يؤدي هذا الهدف، على مشروعيته، الى نتائج قد تسيء الى مستوى التعليم والانتاج والنتائج.

واذا كان الجواب بالنفي فهل يمكن للجامعة ان تكون جمعية خيرية كاريتاسية لا تتوخى الربح، وكيف يكون ضمان استمراريتها، وكيف العمل على تطورها في اساتذتها والوسائل التعليمية والمباني والتجهيزات والمختبرات؟

لا يمكن لهذا الامر ان يستمر في الغموض. فلنخرجه الى الضوء ولنعترف بان هناك ارباحاً تنتظرها الجامعة شرط ان تكون معروفة المصدر (مثل اقساط الطلاب ودعم الاصدقاء والخريجين) والا تتأتى من ممارسات تجارية بغطاء اكاديمي او من اتباع اساليب جذب وتشويق وتسويق غير جديرة بالجامعة.

اما الهامش الذي تعتبره الجامعة فائضاً فلا يمكن الا ان يوظف لتطويرها وتقوية القطاعات التي تحتاج اليه.

3.    يبقى لنا في قراءتنا النقدية لواقعنا القانوني ان نذكر ان قطاع الدراسات والابحاث غائب كلياً عن نصوصنا القائمة لغاية تاريخه وكأنه خارج همومنا والاهتمامات، علماً ان هذا القطاع هو الجناح الثاني المكمل لعملنا، وانه لا بد من تركيزه وتعزيزه عن طريق الزامية انشاء مراكز متخصصة تخصص لها موازنات جدية وجديرة بان تحول جامعاتنا الى مراكز انتاج للمعرفة ولاسيما تلك التي يحتاج اليها المجتمع، وهذا ما من شأنه تقوية اللحمة بين التعليم والبحث فلا يقتصر عملنا على اجترار ابحاث سوانا بل نكون جامعة الشرق والعالم ليس بتصدير الشهادات وحسب انما بتصدير الابحاث وانتاج المعارف.

 

ثالثـاً: في التوجهات.

       ان التقنيات الجديدة للتعليم العالي هي بعض من تأثيرات العولمة وثورة المعلومات والاتصال، وهي التي تساهم في تعاظم دور المعرفة باعتبارها الحافز الاساسي للنمو.

ان التعاطي مع هذه الظاهرة يفرض علينا في ما يفرض وحدة في الشكل، تشاكلا او على الاقل تشابها، كما يتطلب مرونة في مسارات الدراسة عاشتها اميركا منذ القرن الماضي وقد بدأت اوروبا في اعتمادها، اليوم، وقد ندعو مع الداعين الى لحظ نظام ارصدة وطني قائم على اسس اكاديمية وعلمية يتم فيه بشفافية احترام الخصوصيات وبالوقت عينه علاقات الانفتاح؛ نريد نظاماً مرناً يؤمن السيولة والحركية للاساتذة والطلاب، والانتقال الافقي السهل بين الجامعات والاختصاصات.

ففي هذا تأكيد ان للتعليم العالي اللبناني دوراً يؤديه في تنمية قدرات التكيف الجديدة والتحولات المستمرة.

       عملياً لا بد من نص قانوني اساسي جامع يأخذ بالاعتبار هذه المعطيات ويؤكد ان التعليم العالي ليس معزولاً عن العالم اليوم ولا عن حاجة المجتمع وسوق العمل، وانه لا يمكن ان يكون اسير خصوصية محدودة او حالة فردية محددة، كما لا يمكنه بالمقابل ان يكون طليقاً من كل قيد، مجرداً او مشرداً.

مع التأكيد ان هدف ضمان الجودة له الاولوية على العناصرالاكاديمية الاخرى. وان ليس للقانون - اي قانون - ان يتجاهل التركيز ايضاً على درس آلية التراخيص المعطاة لمراقبة المؤسسات التعليمية في متابعة عملها ومساءلتها.

والاهم الاهم قضية المعادلات وهي المكبّلة بالنص التقليدي والمتأرجحة بين دور اكاديمي انشأ الحق وآخر اداري يعلنه... والمطلوب لمن يتولى هذا الشأن انفتاح على التطورات العلمية التي تشجع التنوع والتعددية وتعترف بالمؤهلات المكتسبة خارج نطاق البرامج التعليمية والتكيف مع الجديد.

 

4.    اختم باقتراح عملي يختص بالهيئات والمجالس .

فالاحظ بداية ان كل النصوص التنظيمية التي صدرت حول التعليم العالي الخاص قد صدرت بمراسيم ما عدا قانون ال61 المتعلق بتنظيم التعليم العالي الخاص وقانون ال67 المتعلق بانشاء مجلس استشاري اعلى للجامعات.

واذا كان لا بد لنا اليوم من العمل على وضع قانون اساسي لهذا القطاع يحل محل قانون ال61 والعدد الاكبر من المراسيم الصادرة لاحقاً، كذلك فانه ينبغي اعادة النظر بقانون ال67 والانطلاق منه لتأسيس:

" المجلس الوطني للتعليم العالي "

 

الذي اقترح خطوطه العريضة على الشكل التالي:

يتألف هذا المجلس من رؤساء كل الجامعات العاملة في لبنان، فيكون له اذن صفة تمثيلية شاملة، ويتمتع بما تتمتع به المؤسسات العامة في لبنان، قانونياً ومالياً،

ينتخب رئيسه ومكتبه من بين اعضائه لسنة واحدة، بالتناوب،

ويكون وزير التعليم العالي وزير الوصاية الذي يؤمن للمجلس صلة الاتصال السياسية مع الحكومة،

 اما امانته العامة فيتولاها حكماً المدير العام للتعليم العالي الذي يؤمن صلة الاتصال الادارية بين المجلس والمديرية العامة.

اما الصفة التقريرية لهذا المجلس فتتجلى في الصلاحيات الواسعة التي تنتظره ابتداءً من وضع سياسة التعليم العالي في لبنان قبل اقرارها في مجلس الوزراء والاشراف على تنفيذها، مروراً  باقتراح الموافقة على التراخيص باستحداث جامعات وكليات وفروع جديدة، والاشراف على تقويم الاداء الجامعي والتحقق من التزام الجامعات بتعهداتها والموافقة على معادلة شهاداتها ومتابعتها ومساءلتها، كل ذلك بعد وضع المعايير المطلوبة ومن خلال لجان من الخبراء اللبنانيين والاجانب، المعتمدين مسبقاً لدى المجلس.

هذه اللجان يعينها مكتب المجلس، وفق كل موضوع، ويحدد لها نظام عملها ويتولى امانة سر كل منها موظف من الفئة الثالثة على الاقل تابع للمديرية العامة حيث يتولى رئاسة الدائرة المختصة بالموضوع عينه:

       فلجنة وضع السياسة العامة يتولى امانة سرها مثلاً رئيس دائرة التخطيط والاحصاء.

       ولجنة اعطاء التراخيص يتولى امانة سرها مثلاً رئيس الديوان الذي تقدم فيه طلبات التراخيص ويسهر على متابعتها.

       ولجنة تطوير البرامج يتولى امانة سرها مثلاً رئيس دائرة العلاقات مع سوق العمل.

       ولجنة المعادلات يتولى امانة سرها رئيس دائرة المعادلات.

       ولجنة المعايير والرقابة ومتابعة التحقق يتولى امانة سرها رئيس الدائرة ذاتها في المديرية العامة... والى ما هنالك.

اتمنى ان يكون هذا الاقتراح، الاولي، مطروحاً للدرس والمناقشة لاني ارى فيه حسنات شتى منها انه:

       يعزز موقع جامعاتنا وطنياً وعالمياً ويعيد اليها سلطة اكاديمية وثقافية تستحق ان تمارسها،

       كما يوجه المنافسة بينها نحو الجودة والنوعية بدلاً من ان تكون نحو الكسب وجذب "الزبائن"،

       يربط الجامعات مع الدولة من خلال وزير الوصاية، ومع الادارة التي لا يمكنها ان تعمل بعيداً عن هذه الجامعات، مؤكداً في ذلك ارتباطها المبدئي، السياسي والاداري، بالحكومة دون ان تكون مرتبطة بها اكاديمياً وتعليمياً عملاً بمبدأ حرية التعليم الذي نحرص عليه جميعاً،

       ومن حسنات هذا المشروع انه يخرجنا من احجيات تمثيل الجامعات في هذه اللجنة او تلك. فالجامعات ممثلة كلها في المجلس صاحب القرار.

       اما الخبراء، ذات الاختصاصات المختلفة، فيمكن ان يكونوا من هذه الجامعات او من خارجها، او من خارج البلاد، ويتم تعيينهم بمعدل اثنين او ثلاثة لكل ملف، بحسب الدور التسلسلي المتبع...

ان هذه الافكار الاولية تتطلب تركيزاً وصياغة في اطار صياغة جديدة لقانون التعليم العالي، ننتظرها جميعاً.

*                      *                        *

مع الامل، والعمل، كي تتحقق امنياتنا جميعاً والانتظارات بولادة قانون ومجلس يستند اليهما قطاع التعليم العالي الخاص في مسيرته الصاعدة نحو المستقبل.

 

 

ورشة عمل وزارة التربية والتعليم العالي

                                                                                           قصر الاونيسكو- 10 شباط 2004