كلمة الوزير منيمنة في إفتتاح مؤتمر الضمان الجودة

الجمعة في 29/5/2011 – قصر الأونيسكو

 

يسرني أن أكون بينكم اليوم مفتتحاً هذا المؤتمر المهم حول ضمان الجودة في التعليم العالي في لبنان. فهو بالطبع ليس الحدث الأول في هذا المجال ولن يكون الأخير، لكن أهميته تكمن في أنه يأتي تتويجاً لسلسلة من الورش والندوات تناولت على امتداد العام الماضي جوانب مختلفة متعلقة بمسألة ضمان الجودة وشارك فيها العديد من الأساتذة والمختصين من مختلف الجامعات اللبنانية.

كما أن هذا الحدث يكتسب أهمية خاصة كونه يأتي بمبادرة من رابطة جامعات لبنان الممثلة لشريحة كبيرة من مؤسسات التعليم العالي اللبنانية أي الجهة المعنية مباشرةً  بآليات تحسين التعليم وتطويره، وتجويد مكوناته، وإتقان أدائه ومخرجاته. مما يؤكد على أن الوعي العام حول أهمية ضمان الجودة قد بلغت درجة كافية لدى الجامعات اللبنانية لتأخذ المبادرة في تحمّل مسؤولياتها  الطبيعية في هذا المضمار.

ومما يميّز هذا المؤتمر أيضاً أنه يتم  بالتعاون مع المكتب الوطني لبرنامج تامبوس الأوروبي وفريق خبرائه ما يضفي عليه بعداً دولياُ يؤكد على عالمية قطاع التعليم العالي اللبناني وانفتاحه المستمر على مختلف التجارب العالمية وتأثره الكبير بما يجري حوله من تطوير وتحديث وإصلاح.

أضاف:"إن مقاربة الدولة من خلال وزارة التربية والتعليم العالي لمسألة التعليم العالي تنطلق من المسلّمات والأسس الآتية:

أولاً: التعليم حق عام وهو أيضاً ملكية عامة تقع على عاتق الدولة والمجتمع بكل مكوناته مسؤولية رعايته وتنظيمه.

ثانياً: حرية التعليم مكفولة في الدستور وهذه الحرية هي جزء لا يتجزأ من منظومة الحريات الدستورية العامة كحرية التعبير والمعتقد الحامية للتنوع اللبناني وتعدد ثقافاته.

ثالثاً: الإيمان بدور التعليم العالي في إستراتيجية التنمية وفي عملية التحول والإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.

رابعاً: مسؤولية الدولة في حماية حق المواطن في الحصول على تعليم عالٍ ذي جودة من خلال وضع الأطر العامة وإصدار التشريعات الآيلة إلى ضبطه بحسب أحدث المعايير المعتمدة عالمياً.

خامساً: واجب الدولة وكل المعنيين في توفير أفضل المناخات من أجل تمكين الجامعة من لعب دورها المنشود كما ينبغي،  والدخول الآمن في عالم المنافسة الصعب والمحفوف بالكثير من الصعوبات والتحديات.

إن هذه الحرية التي نحرص عليها جميعاً لا تعفي الدولة من مسؤوليتها في أن تضمن انتظاماً معيناً في عمل مؤسسات التعليم العالي في لبنان وانضباطاً في إيقاعها  ، من حيث التوسع عمودياً كان أم أفقياً، كما لا يعفي الدولة من التزاماتها تجاه مواطنيها في أن تضمن لهم الحصول على مستوى من التعليم  ، يليق بطموحاتهم ويلبي حاجة المجتمع إلى الكفاءات والمهارات التي يتطلبها، وأن توفر لهم بيئة تعليمية سليمة بأحدث الوسائل والأساليب.

وتابع:" لقد واكبت وزارة التربية والتعليم العالي كل أنشطة الإصلاح ورعت بعضها وخصوصا في مجال ضمان الجودة منذ ورشة العام 2004 تحت عنوان "إعادة تنظيم التعليم العالي الخاص"،  ثم من خلال مشاركتها عبر المديرية العامة للتعليم العالي في مشاريع عدة  مموّلة من برنامج تامبوس في موضوعات ضمان الجودة والتقييم الداخلي واعتماد برامج الهندسة في الجامعات اللبنانية."

في سنة واحدة من عمر وزارتنا قمنا بإعطاء دفعة قوية لعملية الإصلاح في قطاع التعليم العالي في لبنان، فقد أنجزنا صياغة قانون جديد للتعليم العالي الخاص يأخذ في الإعتبار التوسع الكبير الذي شهده هذا القطاع في العقدين الماضيين والمتغيرات العالمية الحاصلة في مجال التعليم العالي، كما أننا باشرنا في وضع اللبنات الأولى لمشروع بناء الإطار الوطني للمؤهلات وهو المشروع الذي ستُعرَض أولى نتائجه في الخريف المقبل، وربما الأهم من كل ذلك، في ما يتعلق بالحدث الذي نحن بصدده اليوم، أننا أنجزنا صياغة قانون لإنشاء هيئة لبنانية مستقلة لضمان جودة التعليم العالي في لبنان وهو أحد محاور مؤتمركم هذا، وقد أُرسِل إلى مجلس الوزراء، وعليه بلا شك أن يجتاز النفق الكبير الذي يمر به قطار تشكيل الحكومة هذه الأيام.

وقال:"أن يتولد إقتناع راسخ لدى القطاع الجامعي بأهمية موضوع ضمان الجودة، وأن تمارس الجامعات دورها المطلوب في تكوين الأجهزة المستقلة اللازمة وفي صياغة الآليات والمعايير والمؤشرات، فهذا  تقدم ملموس على طريق توفير تعليم جامعي لائق يستحقه طلابنا ويستحقه بلدنا كما اعتاد في أزمنة التألق والتميّز والازدهار.

ولا بد لنا من مواكبة آخر التطورات الحاصلة في التعليم الجامعي من حيث البرامج وطرق التدريس والأدوات الحديثة المستخدمة في نقل المعلومة وإنتاج المعرفة وهيكليات الإدارة الرشيدة والحوكمة ومصادر التمويل والعلاقة الموضوعية والمتبادلة مع سوق العمل وقطاع الإنتاج بالإضافة إلى آليات الرقابة والتقييم والتدقيق.

إن مؤتمركم أيها السادة يسعى إلى إيجاد لغة مشتركة في مسائل تقنية متخصصة والوصول إلى مفاهيم موحدة حول كل جوانب ضمان الجودة. حبذا لو أننا في مجال السياسة في لبنان نستطيع الإتفاق على نوع من الجودة في العمل السياسي وفي التعاطي السياسي بين الأفرقاء جميعا ، جودة نستطيع من خلالها أن نقدم نموذجا حضاريا لإدارة الإختلاف  تحت سقف المؤسسات ، هذا الإختلاف الذي لا بد من أن ينعكس إيجابا على مجمل الموضوعات ، لأن تعدد الآراء يبقى هو المكسب الأساسي في بلد مثل لبنان .

عندها نستطيع أن نجاهر بقدرتنا على المساهمة في بناء الدولة وتكوين سلطة قادرة على متابعة هموم الناس وقضاياهم.

إن ما تفعلونه هو خطوة مهمة نحو بناء مكوّن مهم في البنية المتكاملة للجامعة الحديثة والمتنورة، والمطلوب التركيز الآن على الحاجات المطلوبة من تدريب وتراكم خبرات لنكون جميعاً مستعدين في حال صدور قانون إنشاء الهيئة اللبنانية لضمان الجودة، هذه الهيئة التي ستحتاج بلا شك إلى الكثير من الموارد الفنية والبشرية.

وأعلن:"لنكن صرحاء في ما بيننا، فالرهان الأكبر يبقى على الممارسة والتطبيق والحرص على أن هذه العملية برمتها هي عملية إصلاح مستمر، يجب أن تحوي أجهزتها ومعاييرها آليات تطورها الذاتي والمراجعة المستمرة للأداء دون خوف من تصحيح ضروري أو تصويب لا بد منه.

فلنرَ مدى جدية الدولة في دعم هيئة لبنانية لضمان جودة التعليم العالي دون المس باستقلاليتها.

ولنشهَدْ على مدى جدية مؤسسات التعليم العالي اللبنانية في المساهمة في وضع الأسس والمعايير والمؤشرات اللازمة لعمل هذه الهيئة دون المس بحياديتها.