نصّ المداخلة التي ألقاها الدكتور هنري العويط،

الأمين العامّ لجامعة القدّيس يوسف، في الجلسة الثانية من المحور الأوّل في ورشة العمل التي نظّمتها وزارة التربية والتعليم العالي، وموضوعها

"إعادة تنظيم التعليم العالي الخاصّ"،

وذلك يوم الثلاثاء بتاريخ 10 شباط 2004، في قصر اليونسكو، بيروت


ورشة إعادة تنظيم التعليم العالي الخاصّ

 

 

 

I-    تحديد الإجراءات المتعلّقة بمراحل إنشاء مؤسّسة خاصّة للتعليم العالي، ثمّ مباشرتها التعليم ومتابعته

 

طُلبَ منّي أن أتناول، في الجزء الأوّل من مداخلتي، موضوعَ تحديد الإجراءات المتعلّقة بمراحل إنشاء مؤسّسة خاصّة للتعليم العالي، ثمّ مباشرتِها التعليم ومتابعتِه.

 

لقد شاركتُ في اللجنة المصغّرة، ثمّ في اللجنة الموسّعة التي أعدّت مشروع اقتراح القانون الرامي إلى تنظيم التعليم العالي الخاصّ، والذي عالج في بابه السادس (الموادّ 21 حتّى 31) مسألةَ الترخيص للمؤسّسات الخاصّة للتعليم العالي، من جوانبها المختلفة. فلن أكرّر هنا ما تمّ تفصيلُه في الوثيقة المشار إليها، وهو حصيلةُ تجربةٍ طويلة، وتشاورٍ وطنيٍّ واسع. وفضلاً عن ذلك، لقد عرضَ المدير العام، الدكتور أحمد الجمّال، بصورةٍ مفصّلة جوانبَ من هذه المسألة ؛ كما أنّ جميع الأطراف المعنيّة متوافقون، بل يُجمعون على ضرورة أنْ تمرّ عمليّة الترخيص بمرحلتَين : تتعلّق الأولى بمنح الإذن بالإنشاء، وتتعلّق الثانية بمنح الإذن بمباشرة التدريس. فرأيتُ، في ضوء هذه المعطيات، أنْ أحصرَ كلامي في قضيّتَين تتباين في شأنهما الآراء، وهما:

o  قضيّة تأليف اللجنة الفنيّة ؛

o  وقضيّة الصلاحيّات المَنوطة بها.

 

أوّلاً : في تأليف اللجنة الفنيّة

·  لحَظ مشروع القانون المقتَرَح، في المادّة 28 منه، صيغةً لتأليف اللجنة الفنيّة، فجعلها برئاسة مدير عام التعليم العالي، وتضمّ:

-   عضوَين من رتبة أستاذ يعيّنهما مجلسُ الجامعة اللبنانيّة،

-   عضواً من كلٍّ من مجلس شورى الدولة، ولجنة الاعتراف بشهادات التعليم العالي، وتجمّع نقابات المِهَن الحرّة، تعيّنهم كلّ هيئةٍ بناءً على آليّةٍ خاصّة بها،

-   ستّة أعضاء من الجامعات الخاصّة.

·  راعى المشروع المقتَرَح، في تأليف هذه اللجنة، العناصرَ الأساسيّةَ الآتية :

-        إعطاء حصّة كبيرة للأكاديميّين، عن طريق تمثيلهم بثمانية أعضاء؛

-   التشديد على نوعيّة ممثّلي الجامعات، إذ اشترَط فيهم أنْ يكونوا برتبة أستاذ، ومن ذوي الاختصاص والكفاءة، ولديهم خبرة عشر سنوات على الأقل في التعليم العالي، بدوام كامل ؛

-   ضرورة تمثيل الميادين الدراسيّة الكبرى : التربية، الآداب واللغات و الإنسانيّات، الفنون، الدراسات الدينيّة، العلوم الاجتماعيّة، الإعلام والتوثيق، إدارة الأعمال، الحقوق، الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة والبحتة، الهندسة والتكنولوجيا، العلوم الطبيّة والصحيّة، الزراعة وعلوم التغذية والطبّ البيطري.

 

·  تتمحوَر الملاحظات التي ابداها معارضو هذه الصيغة، حول أربع نقاط أساسيّة، سأذكرها واحدةً واحدة وأردّ عليها تباعاً :

-   الملاحظة الأولى تتعلّق بالحجم الكبير المعطى للجامعات الخاصّة في اللجنة (ستّة أعضاء من أصل 12 عضواً). والصحيح أنّ الصيغة المقتَرَحة راعت التوازن بين القطاعَين الرسميّ والخاصّ، فتمثّل القطاعُ الرسميّ بمدير عام التعليم العالي، وأستاذَين عن الجامعة اللبنانيّة، وقاضٍ عن مجلس شورى الدولة ؛ وتمثّل القطاع الخاصّ بمندوبٍ عن نقابات المِهَن الحرّة، ومندوبٍ عن كلٍّ من الجامعة الأميركيّة في بيروت، وجامعة القدّيس يوسف، وجامعة بيروت العربيّة، وجامعة الروح القدس – الكسليك، والجامعة اللبنانّية – الأميركيّة، وجامعة البلمند.

-   الملاحظة الثانية تتعلّق بحَصْر تمثيل التعليم العالي الخاص بالجامعات العريقة. والصحيح أنّ الصيغة المقتَرَحة سعت إلىالتوفيق بين مبدأ الأقدميّة ومبدأ المداورة بين مؤسّسات التعليم الخاصّ، وفق شروطٍ وآليّات حدّدتها المادّة 17 من مشروع القانون المقتَرَح.

-   الملاحظة الثالثة تعتبر أنّه لا يجوز أنْ تنظر الجامعات الخاصّة في طلبات الترخيص، لأنّها لا تستطيع أنْ تكون طَرَفاً وحَكَماً في آنٍ واحد. والصحيح أنّ هذا القول كلام حقٍّ يُراد به باطل. لن أدافعَ عن كفاءة أعضاء اللجنة الفنيّة الحاليّة، وعن نزاهتهم، وتجرّدهم، وحيادهم، وموضوعيّتهم، وتغليبهم المصلحة الوطنيّة على أيّ اعتبارٍ آخر. بل سأنطلق من الصيغة المقتَرَحة في مشروع القانون لتأليف اللجنة الفنيّة، فأقول إنّ هذه الجامعات الخاصّة ليست وحدها أعضاء في اللجنة الفنيّة، وهي في الحقيقة لا تشكّل إلاّ نصفَ أعضائها. فحتى لو افترضنا أنّ هذه الجامعات اتّفقَت فيما بينها على تبادل الخدمات، وقرّرت التساهل في النظر في طلبٍ قدّمته إحدى الجامعات من زميلاتها في اللجنة، فإنّها لا تستطيع حملَ لجنةٍ تتمثّل فيها وزارةُ التربية والتعليم العالي بمديرها العام، والجامعةُ اللبنانيّة بأستاذَين، ومجلس شورى الدولة بقاضٍ، ونقاباتُ المِهَن الحرّة بمندوبٍ عنها، لا تستطيع حملَ اللجنة على إصدار توصيةٍ بقبول طلبٍ لا يستوفي الشروط الفنيّة والقانونيّة والأكاديميّة.

وفضلاً عن ذلك، فلقد اشترطت المادّة (29) من المشروع المقتَرَح "ألاّ ينتمي أيُّ عضوٍ من أعضاءِ اللجنة الفرعيّة إلى المؤسّسة صاحبةِ الطلب"، وذلك لتوفير أقصى ضمانات الموضوعيّة والحياد.

-   الملاحظة الرابعة والأخيرة تعتبر أنّه لا تتمثّل في اللجنة كافّة الاختصاصات، فلا تستطيع أنْ تنظر في كلّ الطلبات المحالة إليها. والصحيح هو أنّه لا يمكن أنْ تضمّ أيّة لجنة، مهما اتّسع حجمُها، أعضاء يمثّلون كافّة الاختصاصات. هذا طموحٌ مُغرٍ، ولكنّه غير واقعي، وغير عمليّ، وغير مفيد. فلقد دلّت التجربة، سواء في اللجنة الفنيّة أو في لجنة  المعادلات، على أنّ الأعضاء في هاتَين اللجنتَين غالباً ما يستعينون، في دراسة الملفّات أو الطلبات التي تخرج عن نطاق اختصاصهم، بزملاء لهم في المؤسّسات التي يعملون فيها. ولقد لحظت المادّة (29) من المشروع المقتَرَح حقّ اللجنة الفنيّة في أنْ تستعين " بمَن تشاء من أصحاب الإختصاص ... "، كما لحظَت ضرورة أنْ تعيّن اللجنة الفنيّة لجنةً فرعيّةً من ثلاثة أعضاء أو خمسة، من داخل اللجنة أو من خارجها، شرطَ أنْ "تنتمي أكثريّتهم إلى الاختصاصات المعنيّة بالطلب".

 

·  اسمحوا لي، في ختام حديثي في موضوع تأليف اللجنة الفنيّة، أن أشدّدَ على أمرَين :

-   لا يدَّعي واضعو المشروع أنّ الصيغة التي اقترحوها لتأليف "اللجنة الفنيّة للترخيص للمؤسّسات الخاصّة للتعليم العالي"، هي كاملة، أو أنها الصيغة المُثلى لتمثيل مؤسّسات التعليم العالي الخاص تمثيلاً عادلاً. ولكنّهم يعتبرون أنّ تمثيل جميع المؤسّسات أمرٌ مستحيل، ويعتبرون أنّ هذه الصيغة هي الأقرَب إلى احترام أحد المبادئ الأساسيّة التي يقوم عليها دستورنا ونظامنا التربويّ، أي مبدأ المشاركة بين القطاعَين الرسميّ والخاصّ. ويعتبرون أنّها الأقرب إلى تحقيق مبدأ الفعاليّة، المتأتّية عن الكفاءة والخبرة.

-   إنّ إبداء الملاحظات والاعتراضات حقٌّ مشروع، بل هو مساهمةٌ مطلوبة وضروريّة، لأنّ من شأنه تصحيحَ ما يمكن أن يشوب النصوص من أخطاء، وإغناءَ هذه النصوص، وتطويرَها. ولكنّ إبداءَ الملاحظات والاعتراضات لا يكفي، إذا كنّا فعلاً حريصين على إصدار نصوص تشريعيّة عصريّة، متجانسة، ومتكاملة، تستطيع أنْ تخدم الأهداف التي نتوخّاها جميعاً : ضمان جودة التعليم العالي. في الندوة التي نظّمتها اللجنة النيابيّة للتربية والثقافة والتعليم العالي، في المجلس النيابيّ، بتاريخ 21 تمّوز 2003، طلبت رئيسةُ اللجنة أن يقدّم المعترضون على مشروع القانون المقتَرَح، الصيغَ البديلة التي يقترحونها لتأليف مجلس التعليم العالي، أو اللجنة الفنيّة، أو الهيئة الوطنيّة للاعتماد. ويمكنني التأكيد بأنّ اللجنة النيابيّة لم تتسلّم حتّى اليوم أيَّ اقتراحٍ في هذا الشأن.

فأخشى ما أخشاه هو أنْ يجد البعض في هذه الملاحظات والاعتراضات، ذريعةً للعدول عن تمثيل الجامعات الخاصّة في هذه اللجنة وفي سواها من اللجان، وأنْ تقتصر الصيغةُ البديلةُ التي يفكّر فيها هذا البعض على عددٍ من الموظّفين.

 

ثانياً : في صلاحيّات اللجنة الفنيّة

·  أُثيرَت بعضُ الاعتراضات على الصلاحيّات التي أناطَها مشروع اقتراح القانون باللجنة الفنيّة. وقد ورد في أحد التقارير الرسميّة حرفيّاً ما يلي: " إنّ كلّ الصلاحيّات الكبيرة لمجلس التعليم العالي لا تتمّ إلاّ إذا سمحَت اللجنة الفنيّة بذلك، وإذا أوصَت بذلك أو أحالَت تقريراً ايجابيّاً، عدا ذلك فليس له أيّ دور، لأنّ كلّ صلاحيّةٍ له وردت مشروطةً بموافقة اللجنة الفنيّة".

هذا الكلام غير دقيق، بل غير صحيح. أمّا الحقيقة فهي أنّ المادّة (30) من مشروع اقتراح القانون تنصّ على أنّ اللجنة الفنيّة تدرس طلبات الإذن بالإنشاء أو طلبات الترخيص بمباشرة التدريس.

- فإذا وجدت اللجنة الفنيّة "أنّ طلب الإذن بالإنشاء يستوفي جميع الشروط القانونيّة والفنيّة والأكاديميّة المطلوبة، أو تأكّدت من أنّ مقدّم طلب المباشرة بالتدريس يفي بجميع الشروط المطلوبة، ترفع توصيتها المعلّلة بالإذن بالإنشاء أو بالترخيص بمباشرة التدريس إلى مجلس التعليم العالي".

فيعود إذاً إلى مجلس التعليم العالي، كما تنصّ على ذلك المادّتان (20) و (30) من مشروع اقتراح القانون، أن ينظر في الطلبات التي أوصت اللجنة الفنيّة بقبولها، وفي حال موافقته عليها، يرفع اقتراحه بالإذن بالإنشاء إلى مجلس الوزراء الذي يبتّ بالأمر، أو يُصدر مجلس التعليم العالي قراره بالموافقة على المباشرة بالتدريس.

-  أمّا "في حال وجدت اللجنة الفنيّة أنّ طلب الإذن بالإنشاء لا يستوفي جميع الشروط القانونيّة والفنيّة والأكاديميّة المطلوبة، أو وجدت أنّ مقدّم طلب المباشرة بالتدريس لم ينفّذ جميع الشروط المطلوبة...، ترفض الطلب بقرارٍ معلّل، وتُعلم المديريّة العامّة للتعليم العالي بالأمر التي تُبلغ صاحب العلاقة بقرار اللجنة مع أسباب القرار".

·  فما هي الأسباب الموجبة التي دفعت بواضعي هذا المشروع إلى التمييز بين الحالتَين، أي إلى المحافظة على طابَع اللجنة الفنيّة الاستشاريّ في الحالة الأولى، حالة التوصية بالقبول، وإلى تحويلها في الحالة الثانية، إلى لجنةٍ تقريريّة، تملك صلاحيّة رفض الطلب؟

-  لا يحقّ للجنة الفنيّة أن تمنح الإذن بالإنشاء، فهذا القرار هو حصراً من صلاحيّة مجلس الوزراء. ولا يحقّ للجنة الفنيّة أن تمنح الترخيص بمباشرة التدريس، فهذا القرار هو حصراً من صلاحيّة مجلس التعليم العالي. والقراران يتعلّقان بسياسة الدولة التربويّة، وهي سياسةٌ لا يعود للجنة الفنيّة أمرُ رسمها أو تنفيذها. لا يحقّ للجنة الفنيّة أن تقرّر ما إذا كانت منطقة كسروان أو البقاع مثلاً بحاجة إلى جامعات جديدة، ولا أن تقرّر ما إذا كان لبنان يحتاج إلى كليّات طبّ جديدة، ولا أن تقرّر الموافقة أو عدم الموافقة على إنشاء جامعات افتراضيّة، أو مفتوحة، أو تعتمد أنماط التعلّم عن بعد... فهذه قراراتٌ ترتبط مباشرةً بالسياسة الوطنيّة للتعليم العالي التي يتمّ رسمها في ضوء الدستور والسياسة العامّة لتنمية الموارد البشريّة المعتَمَدة من السلطَتَين التشريعيّة والتنفيذيّة.

-  ولكن في المقابل، لا يُعقَل، ولا يجوز أنْ يُترَك لمجلس التعليم العالي، أو لمجلس الوزراء، كما يجري حاليّاً، حقّ الموافقة على طلبات تبيّن، في ضوء النصوص القانونيّة النافذة، وبناءً على دراسةٍ مستفيضة، أنّها لا تستوفي الشروط القانونيّة والفنيّة والأكاديميّة المطلوبة. إنّ النصّ المقتَرَح لا ينال من صلاحيّات مجلس التعليم العالي أو من صلاحيّات مجلس الوزراء، بل يحصّن هذين المجلسَين، ويحول دون وقوعهما في تجاوزات تنال من مصداقيّتهما، وليست في مصلحة التعليم العالي، أو في مصلحة لبنان. فإذا قامت لجنةٌ فنيّة من الاختصاصيّين بالكشف على جسر الدورة، وقرّرت أنّه غير صالح لمرور السيّارات، ويشكّل خطراً على السلامة العامّة، هل يعتبر وزير الأشغال العامّة والنقل أنّ قرار هذه اللجنة الفنيّة ينتقص من صلاحيّاته، وهل يجوز له أن يتجاوز قرارها ويسمح بمرور السيّارات، على مسؤوليّته؟ وإذا قرّرت لجنة فنيّة من الاختصاصيّين، في ضوء الكشوفات المخبريّة التي تجريها، أنّ مياه هذا النبع ملوّثة، أو أنّ هذه المعلّبات فاسدة، وقرّرت منع الشرب من هذه المياه، وإتلاف هذه المعلّبات، هل يعتبر وزير الصحّة العامّة أنّ في قرار اللجنة انتقاصاً من صلاحيّاته، ويقرّر، على مسؤوليّته، السماح بالشرب من المياه الملوّثة، أو بتناول الأطعمة الفاسدة؟

فلماذا نعترف لمصلحة حماية المستهلك بهذه الصلاحيّات، ولا نعترف للطلاّب اللبنانيّين بحقّهم المشروع في لجنةٍ فنيّة مختصّة تحمي حقوقهم التربويّة، أقلّه في حدودها الدنيا؟

كفانا، أيّها السادة، استهتاراً بالتعليم العالي !

II-       التوأمة

يتضمّن جدول أعمال هذه الجلسة الثانية موضوع "الشؤون المتعلّقة بالتوأمة مع مؤسّسة تعليميّة أجنبيّة".

o  فما هو المقصود بالتوأمة ؟

o  وما هي الأهداف المتوخّاة منها ؟

o  وهل يمكن تشريعها قانونيّاً ؟

o  وما هي السياسة التي يحسن بنا اعتمادها في هذا المجال ؟

أوّلاً- في ضرورة تحديد مصطلح التوأمة

يلاحظ قارئ الأدبيّات المتعلّقة بالتعليم العالي في لبنان أنّ عدداً متزايداً من النصوص يستخدم لفظة > توأمة <. وعند التدقيق في هذه النصوص، سرعان ما يكتشف أنّ أصحابها يستخدمونها بمعاني مختلفة. فلا بدّ، ونحن نُعدّ دراسات قد توظَّف في إصدار قوانين ومراسيم تطبيقيّة، من توخّي الدقّة والوضوح في المصطلحات المتداوَلة.

      أ- في أشكال التعاون بين مؤسّسات التعليم العالي

·        يتّخذ التعاون بين مؤسّسات التعليم العالي الأجنبيّة والمؤسّسات المحليّة أشكالاً مختلفة، سأذكر عدداً منها، على سبيل المثال لا الحصر :

-   تبادل أساتذة، وطلاّب، ومنشورات ؛

-   المساعدة في إعداد مناهج، أو تطويرها ؛

-   المشاركة في مشاريع بحثيّة، ودراسات، واستقصاءات ؛

-   المشاركة في تنظيم مؤتمرات علميّة ؛

-   تأمين برامج دراسيّة مشتَرَكة، تتوَّج بمنح شهادتَين Co-diplomation

-   إشراف مشتَرَك على أطاريح دكتوراه Co-tutelle ou Co-direction     de thèses؛

- إنشاء فروع محليّة لمؤسّسات أجنبيّة، يقدّم فيها الفرع المحلّي البرامج نفسها التي تقدّمها المؤسّسة الأمّ ؛

-   مَنح امتياز من مؤسّسة أجنبيّة إلى مؤسّسة محليّة، تقدّم بموجبه المؤسّسة المحليّة البرامج ذاتها التي تقدّمها المؤسّسة الأجنبيّة ؛

-   اعتراف المؤسّسة الأجنبيّة بالمؤهّلات المكتَسَبة في المؤسّسة المحليّة.

·   قد يقوم هذا التعاون بين جامعةٍ وجامعة، أو كليّة وكليّة، أو بين مجموعة جامعات أو كليّات منخرطة في شبكات Réseaux institutionnels .

·   ويتجسّد هذا التعاون في صيَغ تنظيميّة مختلفة، لعلّ أبرزها :

-   اتّفاقيّات إطار Conventions-cadre

-   مَلاحق أو اتّفاقيّات تطبيقيّة Avenants

 

·   تجدر الإشارة إلى أنّ معظم مؤسّسات التعليم العالي في لبنان، العريقة منها والناشئة حديثاً، ترتبط مع مؤسّساتِ التعليم العالي الأجنبيّة باتّفاقيّات، تغطّي مختلف هذه الأنماط من التعاون.

 

ب – التوأمة شكلٌ من أشكال التعاون

·   يتبيّن ممّا سبق أنّ < التوأمة > تسمية عامّة تشمل صِيَغاً متعدّدة ومختلفة للتعاون.

·   أمّا التوأمة، بالمعنى الحصريّ للكلمة، فتمثّل أقصى حالات التعاون، حتّى تكاد تبلغ درجة التماثل بين المؤسّستَين.

·   ويمكن تعريفها بأنّها نمطٌ معيّن من أنماط التعاون بين مؤسّستَين أو أكثر، يقوم على تبادل الخدمات التربويّة لمصلحة الشريكَين أو الشركاء، بحيث تكون المنفعة متبادَلة، فتشارك المؤسّسةُ الواحدة المؤسّسةَ الأخرى في تجاربها وخبراتها في كافّة الشؤون والمجالات، فتكون كلّ مؤسّسةٍ مفيدة ومستفيدة في الوقت نفسه.

·   علينا أن نتذكّر باستمرار أنّ المبدأ الأساسيّ في التوأمة هو الشراكة بين ندَّين Partenariat ، وإلاّ تحوّلت إلى نقيضها، أي إلى إشراف، أو سيطرة، أو استغلال، أي إلى علاقةِ تبعيّة.

ثانياً- الأهداف المتوخّاة من التعاون

·  يمكن أنْ نميّز بين مرحلتَين :

-   في مراحل التأسيس يقوم التعاون على إسداء النُصح والمشورة والمساعدة، في المجالَين التربويّ والإداريّ.

-   في مراحل التطوّر، الغايةُ من التعاون هو تحسين نوعيّة التعليم الجامعيّ، وتحقيق جودة المناهج والبرامج وطرائق التعليم، والحفاظ على مستوى الشهادات وضمان الاعتراف بها.

ثالثاً- هل يمكن تشريع التوأمة ؟

·       المطلوب التعاطي مع هذه المسألة بالكثير من الحذر.

بتاريخ 3/1/2002، صرّح وزير التربية والتعليم العالي السابق، في مناسبة الاحتفال بتوقيع اتّفاقيّة تعاون بين إحدى الجامعات اللبنانيّة الخاصّة وجامعة لافال الكنديّة، بما يلي:

" في ما يتعلّق بالرُخَص الجديدة التي تقوم، وفي رأيي الشخصيّ المتواضع، لا يجوز منذ الآن ومستقبلاً أنْ تُمنَح أيّة مؤسّسة من مؤسّسات التعليم العالي رُخصةً إلاّ إذا كانت لها علاقة ما مع جامعةٍ جادّة من الدول المتقدّمة لكي تأتي بخبرات الآخرين إلى هنا..".

إنّ ربط الترخيص لمؤسّسات التعليم العالي في لبنان بشرط التوأمة بينها وبين مؤسّسةٍ أجنبيّة للتعليم العالي، توجّهٌ لا يخلو من الخطورة، لأسباب مختلفة، هذه أهمّها :

-        يستحيل وضع الشروط والآليّات والضوابط الضروريّة لهذا التدبير القانوني ؛

-        يستحيل وضع قائمة بمؤسّسات التعليم العالي الأجنبيّة التي يحقّ لمؤسّسات التعليم العالي المحليّة، أو يتوجّب عليها، أنْ ترتبط معها باتّفاقيّة توأمة ؛

-        يستحيل التثبّت من أنّ هذا الارتباط بالخارج هو ضمانٌ للجودة والنوعيّة والمستوى ؛

-   يستحيل التثبّت من النوايا الحقيقيّة التي حملت مؤخّراً عدداً من مؤسّسات التعليم العالي الأجنبيّة على القبول بعقد اتّفاقيّات تعاون مع مؤسّسات التعليم العالي العاملة في لبنان، بل حملتها على السعي إلى عقد هذه الاتّفاقيّات.

·  ولا بأس، هنا من المصارحة وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقيّة.

يلاحظ المراقب الإقبال الكبير، في الفترة الأخيرة، على عقد اتّفاقيّات تعاون أو توأمة بين مؤسّسات داخل الوطن ومؤسّسات أجنبيّة، وقد أضحت هذه الاتّفاقيّات موضةً رائجة. هذه الظاهرة تستحقّ أنْ نسعى إلى الكشف عن أسبابها وخلفيّاتها الحقيقيّة.

-   يتبيّن لنا، على الصعيد الداخليّ، أنّ بعضَ هذه الاتّفاقيّات – أقول بعضَ لأنّ التعميم غير صحيح – يندرج ف