كلمة سعادة رئيس مجلس شورى الدولة القاضي الرئيس د. غالب غانم

 

تحضُرُني في هذا المقام مصطلحاتٌ عديدة أراها تصبّ في مصبّ الموضوع الذي نعالجه الآن، وهو "آلية تطوير البرامج التعليمية ودور البحث العلمي" كفرع من فروع المحور الرابع من ورشة عمل متكاملة حول التعليم العالي الخاص ومعاضله وآفاقه والسبل الآيلة إلى إعادة تنظيمه، وإلى جعله نعمة لا آفة، ومصدر خير للفرد وللمجتمع. من هذه المصطلحات: العلم، العقل، الرّخاء، المنافسة، الابتكار، العزلة والانفتاح، التبعيّة والتصدّر، المرونة والتصلّب، التسليم والطموح، جدوى الأشياء ولا جدواها، الحاضر في علائقه بالماضي وبالمستقبل. لن أشرح هذه المصطلحات لأُبيّن علاقتها الدقيقة والوثيقة بالموضوع، ولكني واثق بأننا إذا تأملناها مليّاً، بانت لنا بعض الأوجه التي تشدّها إليه. فالعلم هو الوعاء الكبير للمسألة المطروحة، والعقل هو معيار التقدم المنشود، والرخاء هو الغاية، والمنافسة هي التحدّي المستمر، والابتكار هو المختلف عن المكرور والمنقول اللذين لا يواكبان حركة الحياة. والانفتاح والتصدّر والمرونة والطموح هي من مقوّمات السّبق والتقدّم. ولماذا التمسك بغير المجدي من المخططات والبرامج؟ وكيف سيكون الحاضر العلمي والإنساني إذا عاش في غياهب الماضي أو إذا تخلّى عن القديم الأصيل تخلياً كلياً؟

 

أطرح عناوين كبرى وأثير مسائل ليس من اليسير حلّها. وما مُبتغاي غير محاولة الدخول إلى الموضوع من زواياه العديدة، وفتح النوافذ على تأمل بعيد لم يفقد في كل حال صلاته بالنقاط التي انطلق منها. وبودّي، في المجال عينه، أن أسلط الضوء على مسألة تطرح كلما توسّعت دائرة التحصيل العلمي في موازاة انفلات الضوابط وتراخي البرامج وتغليب فكرة الكسب المادي على فكرة التنشئة الرسولية في مجال التعليم على العموم. هذه المسألة تستحيل إلى سؤال يقول: هل كثُرَ المتعلّمون وقلّ المعلّمون في الزمن المتأخر؟ وأين الجدوى وأين الإبداع وأين الفرص المتاحة؟ لا يفهمنَّ من كلامي أنني ضدّ ديموقراطية التعليم العالي وبالتالي ضدّ تعميمه. إنني مع تعميمه بشكل مطلق كامل. ولكنّي، في الوقت ذاته، حريصٌ على حامل الشهادة التي توشك أن تتحوّل إلى ما تحوّلت إليه أوراقٌ مالية في زمن إنهيار الدول وإفلاسها.

 

إنه تخدير لا تهويل. دعوة إلى التطوير وبثٌّ لروح الرسالة في قلاع المادة. وهو في النهاية حرصٌ على أن نرسم لأبنائنا معالم طريق غير مسدود، ولا مُضلّ.

 

ويبقى أن أدوات البحث، وعناصره، وآفاقه، ونتائجه، هي في متناول أصحاب الاختصاص الذين أترك لهم الكلام.

 


- قصر الأونيسكو، الاثنين 23/2/2004، كلمة ألقيتها كرئيس لجلسة عقدت حول "آلية تطوير البرامج التعليمية ودور البحث العلمي"، في إطار ورشة عمل نظّمتها وزارة التربية والتعليم العالي حول "إعادة تنظيم التعليم العالي الخاص في لبنان".